يُنظر إلى المحكمة العليا في إسرائيل على أنها حارس أو حاجب دوره أن يحد من سلطة الحكومة ويحمي سيادة القانون في إسرائيل. في السنوات الأخيرة، أصبح جهاز القانون الإسرائيلي محور إنتقادات قاسية من جهات سياسية في إسرائيل، التي تعرض المحكمة كمؤسسة تتدخل بشكل مُفرط في قرارات السلك السياسي وسياسة السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية. على هذه الخلفية، تم الترويج في السنوات الأخيرة لعمليات تهدف إلى تقليص استقلالية الجهاز القضائي وصلاحيات المحكمة العليا. إلا أنه وبعكس تصوير المحكمة كهيئة لاجمة، بكل ما له علاقة بالاحتلال الإسرائيلي، لعبت المحكمة العليا دورًا محوريًا على مر السنين في إضفاء الشرعية على السياسات والآليات والأنظمة التي تتم من خلالها السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المُحتلة، وتطبيعها كجزء من نظام حُكم يعمل ظاهريًا في إطار القانون.
على مر عشرات سنوات الاحتلال، تدخلت المحكمة العُليا في السياسة الإسرائيلية بالضفّة الغربية، وفي بعض الأحيان قيّدت تحركات وأعمال الدولة في الأراضي المحتلة. على سبيل المثال، قضت المحكمة عام 1979 في ملف دويكات (إيلون موريه) بأنه لا يمكن إصدار أمر استحواذ عسكري على أرض فلسطينية بمُلكية خاصة لغرض إنشاء مستوطنة من دون توّفر حاجة عسكرية، وفي عام 2020، شطبت المحكمة “قانون التسوية”، المُصمم لإضفاء الشرعية على البناء المُقام على أراضي فلسطينية بمُلكية خاصة في المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
ومع ذلك، حتى عندما وضع قيودًا على أعمال مُحددة من الدولة، تجنبت المحكمة باستمرار الفصل في القضايا الجوهرية والهيكلية المُتعلقة بنظام الاحتلال؛ وعلى رأسها شرعية المشروع الاستيطاني بحد ذاته، ورفضت المحكمة سلسلة طويلة من الالتماسات المركزية التي هاجمت ممارسات مُختلفة عمّقت إسرائيل من خلالها سيطرتها على الأراضي المحتلة.
بهذه الطريقة، ومن بين أمور أخرى، رفضت المحكمة في 1993 إلتماسًا سعى إلى القضاء بأن سياسة الاستيطان في الأراضي المُحتلة غير قانونية، وأشارت المحكمة إلى كونها مسألة سياسية لا تصلح للحسم بقرار قضائي. وقضت المحكمة في أحكامها المتعلقة بالجدار الفاصل أن إسرائيل تستطيع إنشاء الجدار داخل أراضي الضفة الغربية لأسباب أمنية، خلافًا لموقف محكمة العدل الدولية التي قضت عام 2004 بأن إنشاء الجدار الفاصل في الأراضي المُحتلة ونظام السيطرة المرتبط به يتعارضان مع القانون الدولي لأنهما قد يؤديان إلى الضمّ بحكم الأمر الواقع. في عام2011 رفضت المحكمة إلتماس منظمة “ييش دين” ضد نشاط الكسارات والمحاجر الإسرائيلية في الضفة الغربية ونقل الموارد الطبيعية إلى إسرائيل، وبالتالي إضفاء الشرعية على النهب الاستعماري الصارخ لخيرات الأراضي المحتلة. في عام 2014 رفضت المحكمة إلتماسًا مبدئيًا قدمته ثماني منظمات حقوقية ضد سياسة هدم المنازل العقابية وسمحت للقائد العسكري بممارسة هذه الممارسة. وفي 2022، رفضت المحكمة إلتماسًا من سكان مسافر يطا ضد إعلان منطقتهم السكنية كمنطقة رمي (إطلاق نار) 918، مما يمهد الطريق لتهجير أكثر من 1000 شخص. في العام ذاته، وفي ملف “متسبيه كراميم”، أضفت المحكمة صفة شرعية بموجب رأي الأغلبية على بؤرة استيطانية مُقامة على أرض فلسطينية بملكية خاصة وقضت بعدم إخلائها. أنشأت الأحكام القضائية الصادرة، آلية من المحتمل أن تُوّظف لشرعنة آلاف المباني الإضافية في المستوطنات والبؤر الاستيطانية المُقامة على أراضٍ بمُلكية خاصة فلسطينية، وذلك بأثر رجعي.
تُبيّن هذه الأحكام القضائية إلى الدور الذي تلعبه المحكمة العليا في تشكيل الإطار القانوني الذي تتم فيه السيطرة الإسرائيلية بالضفّة الغربية وفي منح الشرعنة القانونية لتلك الآليات التي أمعنت وعمّقت هذه السيطرة وكرّست وثبتت المشروع الاستيطاني. وعليه، فقد ساهمت بالتالي المحكمة العليا بتطبيع المشروع الاستيطاني قانونيًا على الرغم من أن وجود المستوطنات بحد ذاته يناقض القانون الدولي.
ويتجلى هذا النمط أيضًا في الالتماسات ضد خطوات الضمّ الأكثر وضوحًا. ففي كانون الثاني/ يناير 2026، رفضت المحكمة إلتماسًا قدمته منظمات “ييش دين” وجمعية حقوق المواطن ضد نقل الصلاحيات السلطوية من القائد العسكري إلى الوزير بتسلئيل سموطريتش والنائب المدني في الإدارة المدنية. أثناء الجلسات أدخلت المحكمة بعض التعديلات لتصحيح بعض الترتيبات والتدابير، إلا أن تحويل الصلاحيات بحذ ذاته بقي على حاله. وفي الشهر نفسه، رفضت المحكمة إلتماس “ييش دين”، “بمكوم”، جمعية حقوق المواطن في إسرائيل، ومركز الدفاع عن الفرد (هموكيد)، ضد تجديد إجراءات تسوية الأراضي في الضفة الغربية، باعتباره “سابقًا لأوانه”، وامتنعت عن إصدار حُكمًا قضائيًا بشأن ادعاء الملمتمسين بأن هذه العملية تشكّل ضمًّا. في كلتا الحالتين، امتنعت المحكمة عن وضع حد للصيرورات التي تُغيّر جذريًا طابع السيطرة الإسرائيلية على الضفّة الغربية وتحويلها من نظام عسكري مؤقت إلى آليات تميّز الحكم السيادي الدائم. وهكذا، تركت المحكمة خطوات الضمّ على حالها، وسمحت بمواصلة النهوض بها والترويج لها.
إن توسيع المستوطنات، وكذلك تعميق السيطرة الإسرائيلية على الضفّة الغربية، تُشكل بحد ذاتها مكوّنات عملية ضمّ الضفة الغربية. حدد الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024 أن سياسة الاستيطان الإسرائيلية بما في ذلك التوّسع الاستيطاني وتوسيع المستوطنات، إنشاء البنى التحتية لخدمة المستوطنين، الجدار الفاصل، واستغلال الموارد الطبيعية للضفة الغربية تعمق السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المُحتلة وتُشكّل ضمًا لأجزاء واسعة الأراضي الفلسطينية المُحتلة. وساهمت القرارات القضائية في إضفاء غطاء شرعيّ على الخطوات التي كرّست ومأسست السيطرة الإسرائيلية ميدانيًا، مما ساعد على تحويل نظام احتلال يفترض أن يكون مؤقتًا إلى نظام حُكم دائم. على مر السنين، أنشأت الأحكام القضائية قاعدة قانونية ومؤسسية ترتكز عليها أيضًا خطوات الضمّ الأكثر وضوحًا التي يتم الترويج لها اليوم. وبهذا المعنى، فإن المحكمة هي جزء من الآلية القانونية التي مكّنت مأسسة وترسيخ وتعميق صيرورة ضمّ الضفة الغربية.

