الضم هو إجراء أحادي الجانب تُسري فيه الدولة سيادتها وقوانينها وصلاحياتها على الأراضي التي تم الاستيلاء عليها بالقوة، وتضمها لمجال سيادتها. يعد حظر ضم الأراضي التي تم احتلالها بالقوة أحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي المُعاصر والذي تشكّل كأحد العِبر من الحرب العالمية الثانية، على أساس أن الاعتراف بحق الدول في توسيع أراضيها من خلال الحرب سيشجع على استخدام القوة وتقويض أسس النظام الدولي. تُشكل أحكام لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الأساس القانوني الرئيسي لقوانين وأحكام الاحتلال، الذي ينص على أن الاحتلال هو حالة مؤقتة، والتي لا تمنح الدولة التي تقوم بالاحتلال حق السيادة أو المُلكية على الأرض. بموجب هذه القوانين، تناط سلطات الحُكم في هذه المنطقة بالقائد العسكري، المسؤول عن إدارة الحياة المدنية والحفاظ على النظام العام وحماية السكان المحليين الذين يعتبرون سكانًا محميين. يُطلب من القوة التي تقوم بالاحتلال إدارة المنطقة بوفاء وأمانة ولصالح السكان المحليين المُعرّفين كسكان محميين، إلى أن تتم تسوية تُحدد مكانتها ومستقبلها.
إحتلت دولة إسرائيل الضفة الغربية، إلى جانب أراضٍ أخرى عام 1967، وسيطرت عليها مذ ذاك الحين كجزء من نظام احتلال عسكري. في الممارسة العملية، منذ بدء الاحتلال، انتهكت إسرائيل بشكل منهجي التزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك الحظر الصريح على نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المُحتلة وحظر إجراء تغييرات طويلة الأجل في الأراضي المُحتلة. على مدى عقود، عملت إسرائيل على تعزيز سيطرتها على الضفة الغربية وخلق حقائق على الأرض لا يمكن محوها، وبالتالي تنتهك مبدأ الاحتلال المؤقت القائم في صُلب أحكام وقانون الاحتلال. على مر السنين، أنشأت إسرائيل في الضفة الغربية نظامًا من السيطرة المؤسسية والقمع والتمييز بين الإسرائيليين والفلسطينيين، يرتقي إلى حد جريمة الفصل العنصري (الأبارتهايد).
وإلى جانب هذه الانتهاكات المنهجية، استمرت إسرائيل طوال معظم سنوات الاحتلال في العمل، على الأقل ظاهريًا، ضمن الإطار القانوني لأحكام وقوانين الاحتلال. وضع هذا الإطار قيودًا معينة على كيفية ممارسة السيطرة الإسرائيلية: فقد عرّف السيطرة على أنها مؤقتة وترك القائد العسكري، على الأقل رسميًا، كسلطة حكومية مسؤولة عن إدارة المنطقة والأراضي المُحتلة. قدمت دولة إسرائيل رسميًا على الأقل سيطرتها على الضفة الغربية، بما في ذلك أمام المحاكم الدولية، كنظام سيطرة قتالية مؤقت خاضع لأحكام وقوانين الاحتلال.
ومع ذلك، لا يتطلب الضم بالضرورة إعلانًا رسميًا أو إحلال السيادة بشكل رسمي. فقد يتم بواسطة سياسات وخطوات عملية تحدد سيطرة الدولة القائمة بالاحتلال في المنطقة. وقد اتسم الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية منذ نشأته بسياسة مستمرة من الضم الزاحف. على الرغم من إمتناع إسرائيل عن الإعلان رسميًا عن ضم الأراضي المُحتلة، باستثناء القدس الشرقية وهضبة الجولان (التي تم ضمها رسميًا في انتهاك صارخ للقانون الدولي)، إلا أن سياسة الضم في الضفة الغربية قد تم تنفيذها عمليًا بوسائل أخرى.
أحد أبرز مظاهر الضم الزاحف هو استمرار إنشاء المستوطنات وتوسيع المشروع الإستيطاني، القائم على السلب والتجريد المنهجي للسكان الفلسطينيين من أراضيهم والدفع بهم إلى جيوب معزولة. وفي إطار هذا المشروع الاستعماري، عملت الدولة على "تهويد" الأرض المحتلة، من خلال تشجيع نقل السكان المدنيين الإسرائيليين إلى الأراضي الفلسطينية من بين أمور أخرى، والاستثمار الضخم في البنية التحتية المدنية والأمنية للمستوطنات، والسيطرة الموّسعة على الأراضي والموارد الطبيعية، وكل ذلك في انتهاك مُطلق للقانون الدولي.
طوال الغالبية من سنوات الاحتلال، تم تشجيع اتخاذ خطوات للضم والترويج له مع الحفاظ على مظهر الامتثال للإطار القانوني لنظام الاحتلال، مع الامتناع، بالعموم، عن ممارسة السلطات السيادية علانية في الضفة الغربية. إلا أنه، وفي السنوات الأخيرة طرأ تغييرًا مُتسارعًا على سياسة الضم الإسرائيلية، سواء في حجم الخطوات أو في طبيعتها. تتجلى الرغبة في ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل بشكل متزايد في سياسة الحكومة العملية ومعها التصريحات العلنية لأعضاء الحكومة. لم تعد إسرائيل تكتفي بالإمعان في السيطرة الراسخة في إطار الحُكم القائم، بل تعمل على طمس التمييز بين الحكم العسكري المؤقت والحكم المدني الدائم، وتفكيك القيود التي تفرضها قوانين الاحتلال.
منذ تشكيل الحكومة السابعة والثلاثين، تُترجم هذه الرؤية إلى تغيير هيكلي عميق في أساليب وآليات سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية، والتي يصب في مركزها تحويل الصلاحيات المدنية الواسعة من الجيش إلى شخصيات وهيئات مدنية خاضعة مُباشرة للحكومة والمُخصصة لاستبدال الإطار الحاكم للاحتلال العسكري المؤقت تدريجيًا بآليات حُكم مدنية ودائمة. وهو تغييريندرج في تصريحات الحكومة العلنية عن عزمها النهوض بالضم وتشجيعه، ولو جزئيًا، لضم مناطق C، إلى جانب تسريع المشروع الاستيطاني بسرعة وإحلال القوانين والتشريعات الإسرائيلية بشكل موّسع على المستوطنين.
وفقًا لأحكام وقوانين الاحتلال، توكل إدارة الأراضي المُحتلة مؤقتًا وبالوصاية الآمنة إلى القائد العسكري، الذي يخضع لقيود القانون الدولي الهادفة إلى منعه من التصرف في الأراضي باعتبارها جزءًا من إسرائيل. تسعى الحكومة إلى الالتفاف على هذه القيود من خلال نقل السيطرة إلى هيئات وجهات مدنية وسياسية إسرائيلية، المسؤولة عن توسيع المستوطنات وتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية، مع ترك الغلاف العسكري على حاله، مع تفريغه من محتواه ودوره. وبدلًا من حُكم عسكري مؤقت، يتشكل في الضفة الغربية نظام حُكم مدني إسرائيلي دائم، يعمل لصالح الدولة والمستوطنين، فيما يبقى الفلسطينيون خاضعين لنظام عسكري قائم على التمييز المنهجي وانتهاك حقوق الإنسان، مُجرّدين من الحقوق المدنية والسياسية. هذا ضم فعلي، يتم عرضه نحو الخارج بشكل تهكميّ على أنه تغيير تنظيمي فقط.
لا تشمل رؤية الضم التي تُروّج لها الحكومة الإسرائيلية حاليًا، أية نية لضم سكان الضفة الغربية كمواطنين متساوين في الحقوق. عوضًا عن ذلك، تسعى إسرائيل إلى فرض سيطرة سيادية تامة على الأراضي، التخطيط، الموارد، والبنية التحتية في معظم أنحاء الضفة الغربية، مما يدفع ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون فيها إلى جيوب معزولة ومُكتظة. تطبيق خطوات الضم يُرسّخ ويُثبت السيطرة الإسرائيلية ويعيق قدرة الشعب الفلسطيني على ممارسة حقه في تقرير المصير، المعترف به في القانون الدولي.
موقع الضم صار هنا يسعى إلى تركيز جميع القرارات الرسمية، المُبادرات التشريعية ومشاريع القوانين، الإجراءات المتخذة ميدانيًا، وسلسلة من الخطوات الإضافية التي تقوم بواسطتها دولة إسرائيل بالدفع نحو ضم الضفة الغربية المُحتلة عام 1967. ينقسم الموقع إلى عدة فئات رئيسية، تهدف إلى أن تُلقي الضوء على الجوانب المختلفة لعمليات الضم ورسم صورة عامة لكيفية تشكلّها وتقدمها. من خلال تقديم هذا المجمع، يسعى الموقع إلى توضيح أن الضم الإسرائيلي للضفة الغربية ليس سيناريو مستقبليًا بل إنه إجراء جاري تنفيذه في الوقت الراهن، حتى بدون إعلان رسمي. بعبارة أخرى، فإن إنشاء المستوطنات وآليات سيطرة مدنية راسخة وثابتة إلى جانب فرض صلاحيات سيادية وإدارة الأراضي كجزء لا يتجزأ من نظام الحُكم لدولة إسرائيل السيادية، قد رسّخت بالفعل سيطرة سيادية دائمة تشكل ضمًا محظورًا بموجب القانون الدولي.
