عنف المستوطنين هو مصطلح يصف الجنوح الأيديولوجي (الجريمة على خلفية أيديولوجية) للمدنيين الإسرائيليين المُمارس ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية؛ يشمل العنف الجسدي، تخريب المحاصيل والممتلكات، الترعيب والإرهاب مما يؤدي إلى تعطيل الروتين اليومي للفلسطينيين في جميع أنحاء الضفة الغربية. يدور الحديث عن جرائم يرتكبها أفراد وجماعات، لكنها مُجتمعة تخلق نمطًا منهجيًا من العنف على خلفية أيديولوجية مُصمم لخدمة الأهداف السياسية والتوّسعية: الإضرار بنسيج الحياة الفلسطيني، التضييق على الفلسطينيين وتهجيرهم من أراضيهم، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على المنطقة.
شهدت السنوات الأخيرة إرتفاعًا حادًا بعنف المستوطنين، الذي بلغ مستويات جديدة، مع هجمات يومية على الفلسطينيين واعتداء على ممتلكاتهم في جميع نواحي الضفة الغربية، والتي شملت أيضًا اعتداءات مُميتة ضد الفلسطينيين. ومع ذلك، هذه ليست ظاهرة جديدة. رافق عنف المستوطنين تجاه الفلسطينيين مشروع الإستيطان الإسرائيلي منذ بداياته، بكثافة متفاوتة، وعلى مر السنين تم توظيفه كأداة للاستيلاء على الأراضي والنهوض بغايات سياسية. لم يطرأ التغيير على الغايات من العنف في السنوات الأخيرة، بل في حجمه، قوته، والحصانة التي يتمتع بها الجناة ومقترفي أعمال العنف؛ كما كان التغيير في دمج العنف بشكل علني أكثر ومُباشر في سياسة الضمّ الإسرائيلية.
لا يتم عنف المستوطنين بمعزل عن سياسة إسرائيل في توسيع سيطرتها على الضفة الغربية، بل يُوّظف إلى جانبها ويكملها. تستولي الدولة على الأراضي الفلسطينية من خلال أوامر عسكرية بإغلاق مناطق ومساحات، إعلان أراضي مُلك عام (أراضي دولة)، وتخصيصها لصالح المستوطنات،، كما من خلال نظام التخطيط والبناء. إلى جانب هذه الآليات الرسمية، يساهم عنف المستوطنين بالتضييق على الفلسطينيين وتهجيرهم من أراضيهم بواسطة الترعيب والمسّ المتواصل بروتين حياتهم لروتينهم اليومي، مما دون أن تُضطر الدولة للقيام بذلك مُباشرة ورسميًا. في الممارسة العملية، يُشكل مواطنون إسرائيليون ينتهجون العنف على خلفية أيديولوجية بشكل منهجي ضد الفلسطينيين، نوعًا من المتعهدين لإخراج هذه السياسة إلى حيّز لتنفيذ، في حين تحافظ الدولة على مظهر سيادة القانون.
الحصانة التي يتمتع بها مرتكبو العنف هي أحد الشروط الرئيسية التي تسمح لهذه الآلية بالعمل مع مرور الوقت. طوال أكثر من عقدين، وفي ولاية حكومات مختلفة، فشلت سُلطات إنفاذ القانون الإسرائيلية بشكل منهجي ومتواصل بالتحقيق ومُحاكمة الإسرائيليين الذي يعتدون على الفلسطينيين وممتلكاتهم. تُشير بيانات رصد “ييش دين” إلى أن 96,3% من ملفات التحقيق التي فُتحت بين عامي 2025-2005 لارتكاب جرائم أيديولوجية من قبل إسرائيليين ضد الفلسطينيين انتهت دون توجيه لوائح اتهام؛ وفشلت الشرطة في التحقيق في 82% من الملفات في حين أفضلت فقط 3% منها إلى إدانة كاملة أو جزئية. ينزع هذا الفشل المستمر منذ عدة عقود، أي رادع من الاعتداء على الفلسطينيين تقريبًا بالكامل، ويجعل الحصانة نفسها جزءًاً من الآلية التي تسمح بتوظيف العنف كأداة فعّالة لسلب الفلسطينيين أراضيهم وتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة.
مع إنشاء الحكومة الإسرائيلية السابعة والثلاثين في كانون الأول/ ديسمبر 2022، حظيت الحصانة طويلة الأمد التي يتمتع بها مرتكبو العنف ضد الفلسطينيين بمزيد من الدعم السياسي والمؤسسي العلني. وضعت الاتفاقيات الائتلافية مُخططًا لإضفاء صفة شرعية وتوسيع البؤر الاستيطانية غير الشرعية، والمعروفة بكونها مركزًا لتصدير العنف وتهجير المجتمعات الفلسطينية. في المقابل، حصل بتسلئيل سموطريتش على صلاحيات واسعة النطاق في مجالات الأراضي، والتخطيط والبناء في الضفة الغربية، في حين تولى إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، مسؤولية شرطة إسرائيل. في عهد سموطريتش، توقف الإنفاذ ضد البناء الإسرائيلي غير القانوني بالكامل تقريبًا، بينما استمر الإنفاذ ضد البناء الفلسطيني. وبموجب تقارير، أوعز بن غفير للشرطة أن تمتنع عن الإنفاذ ضد الإسرائيليين المتورطين في أعمال إرهابية ضد الفلسطينيين. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، إعتقل قائد الوحدة المركزية اللوائية شاي (يهودا والسامرة/ الضفة الغربية)، الوحدة المكلفة بالتحقيق في الجنوح الأيديولوجي (الجريمة على خلفية أيديولوجية)، للاشتباه في أنه منع أو قام بتخريب عمليات تحقيق في عنف المستوطنين من أجل استرضاء بن غفير والنهوض بتعيينه.
الدعم المؤسسي يمنح العنف شرعية سياسية. زعم بتسلئيل سموطريتش أن “حملة ‘عنف المستوطنين’ كذبة معادية للسامية”. حتى أنه قال عقب حادث إطلاق النار في حوارة الذي شهد مقتل مستوطنين في شباط/ فبراير 2023، إنه “يجب محو حوارة“. بالإضافة إلى ذلك، وقّع 14 من أعضاء الكنيست عريضة لتسهيل ظروف سجن عميرام بن أوليئيل، الذي دين بقتل ثلاثة من أفراد عائلة دوابشة – الوالدين وابنهما الرضيع – وإصابة ابنهما الرضيع الآخر بجروح خطيرة في قرية دوما عام 2015. شاركت عضو الكنيست ليمور سون هار ميلخ من “عوتسما يهوديت” بأمسية في إطار حملة لجمع التبرعات لإطلاق سراح بن أوليئيل، ووصفته بـ”رجل صالح قديس” مدعية أنه بريء.
وقد سُجلت منذ الأشهر الأولى للحكومة السابعة والثلاثين زيادة حادة في نطاق العنف المُمارس ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. وقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) بين كانون الثاني/ يناير وأيلول/ سبتمبر 2023 بالمُجمل 844 حادثة عنف مارسه المستوطنين، مقارنة بـ 474 حادثة في الفترة ذاتها من العام السابق 2022. طرأ ارتفاع حاد في نطاق وخطورة أعمال العنف واعتداءات المستوطنين بعد هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. بينما ركز الاهتمام الجماهيري العام على التجمعات الإسرائيلية التي تضررت في الهجوم، وعلى خلفية الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، استغل المستوطنون الوضع لتنفيذ اجتياحات عنيفة ومنظمة في جميع أنحاء الضفة الغربية. بين 7 تشرين الأول/ أكتوبر و20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، رصدت ووثقت “ييش دين” 225 حادثة عنف للمستوطنين في 93 قرية وبلدة في شتى أنحاء الضفة الغربية.
وفي الوقت نفسه، حشد الجيش في بإجراء مُستعجل آلاف المستوطنين للخدمة الاحتياطية ولقوات التدخل السريع وحدات “الحامية الإقليمية”. في ذروة حشدهم، نُشر نحو 8,000 من جنود الحامية الإقليمية في الضفة الغربية، كما وُسّع نطاق مسؤولياتهم ليشمل الدوريات، إنشاء الحواجز ونقاط التفتيش، و “العمليات الهجومية في قلب القرى“. كما سلّح الجيش العديد من المستوطنين، وتم توزيع بالمُجمل نحو 8,000 قطعة سلاح على المدنيين الإسرائيليين في الضفة الغربية. وقد أتاح توزيع السلاح على هذا النطاق لسكان البؤر الاستيطانية والبؤر الاستيطانية الزراعية (المزارع الاستيطانية) أن يحصلوا على سلاح بأنفسهم، ومن بين هذه البؤر مواقع أنشأت في خلاف للقانون الإسرائيلي، والتي يُشكّل بعضها مركز لتصدير العنف ومضايقة الفلسطينيين.
منذ بداية حرب غزة، رُصدت آلاف حوادث العنف المُمارس ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية، والعديد منها داخل القرى والمجتمعات الفلسطينية المجاورة للمستوطنات. وبالرغم من أن مُعظم أعمال العنف تحدث في المنطقة C، إلا أن رقعتها توسعت في السنوات الأخيرة لتشمل مناطق B وحتى A، إلى بلدات ومساحات خارج نطاق السيطرة المدنية الإسرائيلية. ويتضح من مُعطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، سُجل عام 2023، 1,291 حادث عنف مارسه المستوطنون تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية، وفي عام 2024 ارتفع عدد هذه الحوادث إلى 1,449. وفي عام 2025، بلغ العنف ذروته، حيث بلغ عدد حوادث العنف 1,836. وهو مُعدل أكثر بقليل من خمس اعتداءات في اليوم. وتواصل هذا النمط في عام 2026 أيضًا: إذ أنه بين كانون الثاني/ يناير وحزيران/ يونيو وحدهما، تم تسجيل 1,197 حادثة. ما لا يقل عن 45 فلسطينيًا قتلوا رميًا بالرصاص خلال حوادث عنف المستوطنين بين كانون الثاني/ يناير 2023 وحزيران/ يونيو 2026.
في العديد من الأحداث، شارك مستوطنون مُسلحون بزي مدني إلى جانب مستوطنين بزي عسكري وجنود، وفي بعض هذه الأحداث جرى استخدام السلاح، الزي العسكري، والصلاحيات التي حصلوا عليها من الجيش للاعتداء على الفلسطينيين. وإلى جانب الحالات التي وقف فيها الجنود مكتوفي الأيدي ولم يحركوا ساكنًا لوضع حدٍ لعنف المستوطنين، تم توثيق حوادث شارك فيها الجنود أنفسهم في الاعتداء على الفلسطينيين إلى جانب المستوطنين.
يُحدث عنف المستوطنين مرفقًا بعنف الجيش، تغييرًا حقيقيًا لا رجعة فيه في المنطقة وقد أدى إلى أكبر موجة من تهجير المجتمعات الفلسطينية في الضفة الغربية منذ عام 1967. ويتبيّن من بيانات “بتسيلم” أنه صحيح لتموز/ يوليو 2026، تم تهجير 65 مجتمعًا فلسطينيًا من منازلهم قسرًا، وتهجير 4,349 شخصًا؛ وفي 18 مجتمعًا آخر، هُجّر 512 من السكان بسبب العنف والتهديدات والمضايقات المستمرة من قبل المستوطنين. ورغم عدم وجود حظر رسمي على عودة المجتمعات المُهجرّة، إلا أنه من الناحية العملية لا يستطيعون حقيقة الرجوع إلى مضاربهم مع استمرار التهديدات، إذ أن الجيش لا يحميهم من عنف المستوطنين. هكذا يُصبح تهجير المُجتمعات والتجمعات الفلسطينية أداة أخرى لسياسة الضمّ: تقليص الوجود الفلسطيني في الميدان وتوسيع المساحة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
ورغم تنصل دولة إسرائيل الرسمي في أحيان من عنف المستوطنين، وحتى إنها تُدينه في أحيان، إلا أنها تخلق عمليًا الظروف التي تسمح بوجوده، بتوسعه، وبتحقيقه النتائج على أرض الواقع. لا يدور الحديث عن محض فشل نظام إنفاذ القانون، بل إنه آلية تخدم أهداف إسرائيل التوسعية. هكذا، يوّظف عُنف المستوطنين كذراع تنفيذية لسياسة الضمّ الإسرائيلية: وسيلة لإعادة تشكيل وتصميم الحيّز في الضفة الغربية، التضييق على السكان الفلسطينيين والدفع بهم إلى جيوب معزولة وضيّقة، إلى جانب توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية على المنطقة – دون ضم سكانها الفلسطينيين.

