يُعدّ إنشاء المستوطنات في الأراضي المُحتلة أمرًا غير قانوني ويشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي. ينبع هذا الحظر، في جملة أمور، من مبدأ الولاء، الذي يُلزم القوة القائمة على الاحتلال أن تعمل وتتصرف بما يصب في مصلحة السكان المحميين، ومن الحظر المنصوص عليه في المادة 49(6) من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن نقل سكان القوة القائمة على الاحتلال إلى الأراضي المُحتلة. بالإضافة إلى عدم شرعيتها، فإن إنشاء المستوطنات هو ممارسة أساسية لعمليات الضمّ التي تُرسّخ الوجود المدني الدائم لدولة الاحتلال في منطقة يُفترض أن تكون بحيازة مؤقتة فقط، وتُغيّر عمليًا طابع ومكانة الأراضي المُحتلة من خلال الاسحتواذ على الأراضي وإنشاء البُنى التحتية لصالح مواطني دولة الاحتلال.
دعمت جميع الحكومات الإسرائيلية المشروع الاستيطاني في الضفّة الغربية بدرجة ما. وقد ساعدت جميعها المشروع الاستيطاني على النمو والتوّسع، كما وتبنّت سياسة واضحة قائمة على انتهاك القانون الدوليّ. إلا أن ولاية الحكومة السابعة والثلاثين تبرز بالخطوات الدراماتيكية وغير المسبوقة التي اتخذتها لتحصين وإنشاء المستوطنات، وإزالة الحواجز السياسية والتخطيطية التي تحد من توسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية. ولتحقيق هذه الغاية، صادرت الحكومة السيطرة على آليات ومنظومات التخطيط من الجيش وأزالت الحواجز التي أعاقت الترويج والنهوض بمخططات البناء في الضفّة الغربية، وقررت إنشاء عشرات المستوطنات الجديدة وشرعنة بؤر استيطانية قائمة.
في شباط/ فبراير 2023، أحيلت المسؤولية عن مجالات التخطيط والبناء في الإدارة المدنية إلى الوزير الثاني في وزارة الأمن بتسلئيل سموطريتش. وفي حُزيران/ يونيو من العام ذاته قررت الحكومة نقل صلاحية منح المصادقة السياسية للنهوض بمُخططات البناء والترويج لها من وزير الأمن إلى سموطريتش، وألغت الحاجة إلى موافقات إضافية من السلك السياسي في المراحل اللاحقة من خلال إلغاء قرار الحكومة رقم 150. وبالتالي، غيّرت الحكومة جذريًا عمليات وصيرورات التخطيط والبناء في الضفة الغربية. حتى ذلك الحين، وبسبب العواقب السياسية بعيدة المدى المترتبة عن إنشاء المستوطنات، كانت عملية التخطيط في المستوطنات مختلفة عن تلك المُتبعة بالأراضي السيادية في إسرائيل وسمحت للسلك السياسي أن يوقف المُخططات أي من مراحل تخطيطها، على الرغم من أن الصيرورة برمتها تهدف إلى النهوض بالعمران والبناء الذي يعتبره القانون الدولي غير قانوني.
تهدف إزالة القيود وملاءمة آلية التخطيط والبناء في الضفة الغربية مع الأعراف المُتبعة في إسرائيل إلى تسهيل توسيع المشروع الاستيطاني الإسرائيلي. في حد ذاتها – حتى إن كنا نغض الطرف عن تعزيز وتكثيف وتيرة البناء – إنها عملية ضمّ تقوم بها إسرائيل للضفّة الغربية، بكونها تستبدل بشكل تدريجي آليات وأنظمة الحُكم العسكري بآليات مدنية، وتطمس التمييز بين الأراضي المُحتلة والأراضي الإسرائيلية السيادية، وتسمح للدولة بالتعامل مع الضفّة الغربية كما لو كانت أراضيها.
وبدءًا من تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، يجتمع المجلس الأعلى للتخطيط أسبوعيًا، بينما كان في الماضي يجتمع بضع مرات فقط في السنة. ونتيجة لذلك، تسارعت صيرورة الموافقة على مُخططات البناء والتطوير للمستوطنات بشكل كبير، وبالتالي خُلقت البنية التحتية التخطيطية التي تمكّن وتُتيح العمران والبناء الاسرائيلي واسع النطاق، بشكل يُغيّر شكل الضفّة الغربيّة بالكامل. وكل هذا يحدث بمنأى عن الرقابة والإشراف والنقد الجماهيري.
يُشير رصد سلام الآن إلى أنه بين الأعوام 2023 – 2026 نهضت هذه الجهات وروّجت لمُخططات بحجم تراكمي يبلغ 58,481 وحدة سكنية في المستوطنات، والتي تُرسي الأسس لاستيعاب نحو 200 ألف مستوطن جديد مُستقبلًا. في المقابل، يرفض نظام التخطيط الإسرائيلي الطلبات الفلسطينية للحصول على تصاريح بناء في المنطقة C بالكامل تقريبًا. ففي عام 2024، على سبيل المثال، أصدرت 1,165 رخصة للبناء الاستيطاني، مقارنة بثلاثة تصاريح فقط صدرت للفلسطينيين من أصل 1,111 طلبًا، وفقًا لبيانات الإدارة المدنية المقدمة إلى منظمة “بمكوم”.
1E
إحدى الصيرورات الأهم في مجال التخطيط هي المصادقة النهائية التي أعطيت في آب/ أغسطس 2025 لمُخططات إنشاء 3,401 وحدة سكنية في المنطقة 1E. يهدف البناء في هذه المنطقة إلى خلق إمتداد إسرائيلي عمراني بين “معاليه أدوميم” والقدس، ويسعى إلى عزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، عزل شمال الضفّة الغربية عن جنوبها، والقضاء عمليًا على إمكانية قيام دولة فلسطينية في المستقبل. كما يهدد تطبيق هذه المُخططات على المجتمعات الفلسطينية التي تعيش في المنطقة، وفي مقدمتها التجمعات الرعوية الفلسطينية التي تواجه خطر التهجير من سنين طويلة.
الإعلان عن مستوطنات جديدة
قررت الحكومة السابعة والثلاثين من خلال سلسلة من قرارات الحكومة والمجلس الوزاريّ المُصغّر من شباط/ فبراير 2023، إنشاء أو شرعنة 104 مستوطنات أو تحويلها إلى مستوطنات مستقلة. يدور الحديث عن عدد غير مسبوق من عمليات الشرعنة والإعلان عن مستوطنات: كان يُخطط لشرعنة 50 بؤرة استيطانية غير شرعية، 16 مُستوطنة كانت تُعتبر حتى ذاك الحين “أحياء” تابعة لمستوطنات رسمية حصلت على مكانة مستوطنة مستقلة، و 38 مستوطنة تقرر إنشاؤها من الأساس. وبالمقارنة، في العقد السابق لتشكيل الحكومة، قررت حكومات إسرائيل السابقة إنشاء ثلاث مستوطنات.
تجديد المشروع الاستيطاني شمال الضفّة الغربيّة
ألغى الكنيست مواد قانون فك الارتباط في آذار/ مارس 2023، والتي تحظر على الإسرائيليين دخول المناطق التي تم إخلاؤها في شمال الضفّة الغربية، وبالتالي مهّد الطريق لإعادة إنشاء أربع مستوطنات أخلتها إسرائيل في عام 2005. على مدار عقدين تقريبًا، كان هذا الحيّز الذي يمتد على أكثر من 500 ألف دونم، شبه خالٍ من أي وجود دائم للمستوطنين. على الرغم من كونهم يرزحون تحت نظام قمع عسكري، فإن الغياب النسبي للمستوطنين مكّن مئات آلاف الفلسطينيين في المنطقة من الحفاظ على روتين نشط نسبيًا للصناعة والتجارة، الزراعة، التعليم والثقافة مقارنة بالمناطق الأخرى.
خمسة أشهر عقب إلغاء مواد القانون، قدم يوسي داغان، رئيس المجلس الإقليمي شومرون (السامرة)، مُخطط “مليون بشومرون” (مليون في السامرة)، الذي يسعى إلى زيادة عدد المستوطنين شمال الضفّة الغربية من خلال إنشاء المستوطنات والمدن والمناطق الصناعية والسكك الحديدية ومطار. يفتقد المُخطط لأي ذكر لمئات آلاف الفلسطينيين الذين يعيشون في المنطقة، كما أنه تم شطب الخط الأخضر من على الخريطة المصاحبة له. ويشمل المُخطط تجديد المستوطنات الأربع التي تم إخلاؤها وإنشاء 14 مستوطنة إضافية شمال الضفّة الغربية. وقد سبق أن صادق المجلس الوزاريّ المُصغّر على إنشاء كافة المستوطنات الـ 18، والتي تتواجد في مراحل مختلفة من التخطيط والبناء. في تموز/ يوليو 2026، صودق أيضًا على إنشاء مستوطنة أخرى في المنطقة، “سا-نور شرق”. وقد بدأ تنفيذ المُخطط، إذ أن المستوطنون باشروا بالاستيطان في “حومش”، “جانيم”، “كاديم”، “سا-نور”، “عيمق دوتان”، و “نوعا”.
من خلال الترويج والنهوض بعشرات آلاف الوحدات السكنية وإنشاء أو توسيع أو شرعنة عشرات المستوطنات، تخلق الدولة بنية تحتية لزيادة عدد المستوطنين وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المُحتلة في انتهاك للقانون الدولي. تؤدي هذه العمليات والصيرورات إلى الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، مما يقطع الامتداد الجغرافي بين البلدات والتجمعات الفلسطينية، بما في ذلك في منطقتي A و B، ويضيّق على المجتمعات الفلسطينية ويهجرها من أراضيها. بهذا الشكل، تُغيّر دولة إسرائيل الطابع المكاني والديموغرافي في الأراضي المُحتلة، وتُكرّس وتُثبّت سيطرتها عليها وتضمها في الواقع إلى حدودها.

