الإدارة المدنية هي وحدة عسكرية مسؤولة عن تطبيق السياسة الإسرائيلية المدنية في الضفة الغربية، وتُشكّل الذراع المركزية للحُكم العسكري في كل ما يخص مجالات الحياة المدنية في الأراضي المُحتلة. رغم أن أحكام وقوانين الاحتلال تُلزم القائد العسكري بالعمل لمصلحة السكان المحميين، لم تكن الإدارة المدنية يومًا جسمًا مُحايدًا. على مدى عقود، شكّل أداة لقمع الفلسطينيين والتحكّم بحياتهم، أراضيهم، ومواردهم الطبيعية. ومع ذلك، كانت الإدارة جزءًا من الحُكم العسكري وكانت خاضعة على الأقل رسميًا للقائد العسكري والإطار القضائي المُحدد في أحكام وقوانين الاحتلال. حتى عندما خدمت المصالح الإسرائيلية، تم تفعيل صلاحياتها في إطار يعترف بالضفة الغربية كمنطقة مُحتلة ليست جزءًا من إسرائيل، والسيطرة عليها مؤقتة.

وطرأ تغيير جذري في طريقة عمل الإدارة المدنية بأيار/ مايو 2024 بقيادة الوزير بتسلئيل سموطريتش. وقّع قائد القوات العسكرية في الضفة الغربية على تعديل لأمر إنشاء الإدارة المدنية، والذي خوّل رئيس الإدارة بتعيين مواطن مدني نائبًا للشؤون المدنية وخوّله بصلاحيات حُكم واسعة النطاق. ووفقًا لـ خطاب التعيين العسكري، فقد فوض رئيس الإدارة المدنية إلى نائبه صلاحيات بموجب 78 أمرًا وقانونًا وأحكام عسكرية، يُدير القائد العسكري من خلالها الضفة الغربية في ظل نظام الاحتلال. أنشئ المنصب بموجب الاتفاق السياسي لنقل الصلاحيات الإدارية للضفة الغربية إلى الوزير الثاني في وزارة الأمن (سموطريتش) ومُديرية الاستيطان الخاضعة تحت امرته.

علمًا أن الغرض من التعيين هو إخضاع منظومة الحُكم في الضفة الغربية لسياسة سموطريتش وتحويلها إلى أداة للنهوض بالمشروع الاستيطاني، التضييق على الفلسطينيين وتهجيرهم، وفي النهاية، تفكيك الإدارة المدنية ككيان عسكري. وقد عرضت الوزيرة أوريت ستروك شرحها لأهمية هذه الخطوة على الصعيد السياسي، بقولها إن النائب سيشكل “ذراعًا تنفيذية لبتسلئيل سموطريتش”، ويتوج على الإدارة المدنية أن “تخضع لسلطته وتأتمر به”، على أن يكون إخضاع ضباط الأركان للنائب “الخطوة الأولى في تمدين الإدارة”. وأشارت ستروك إلى كون إحدى مهامه المركزية الإنفاذ ضد ما أسمته “الاستيلاء العربي على المنطقة C”، والنهوض بمخططات البناء والاستيطان.

تم تعيين هيلل روط ليشغل المنصب، وهو خريج المدرسة الدينية “عود يوسف حاي”، الذي كان يقطن في مستوطنة “يتسهار” ويقطن الآن في مستوطنة “ريفافا”. في الماضي، شغل أيضًا منصب مدير المالية والإدارة في منظمة “حونينو”، التي تقدم المساعدة القانونية للإسرائيليين المشتبه بهم أو المتهمين أو المدانين بارتكاب جرائم على خلفية قومية، وشغل لاحقًا منصب مُحاسب المجلس الإقليمي “شومرون” ومدير شعبة البلدات فيه. روط ليس ضابطًا نشأ في الجهاز الحكومي العسكري، بل إنه مدني خدم مشروع الاستيطان طوال حياته. وقد أودعت بين يديه صلاحيات تصبّ في قلب السلطة التي تحكم الأراضي المُحتلة، بما في ذلك الصلاحيات التي تؤثر بشكل مباشر على ملايين الفلسطينيين، الذين لا يملكون أي تمثيل عنهم في النظام الذي عيّن روط ولا يمكنهم التأثير على السياسة التي يعهد إليه بتنفيذها.

وقد وصف سموطريتش نطاق السلطة الممنوحة لروط بقوله: “هناك نائب رئيس الإدارة المدنية وهو مواطن مدني، موظف وزارة الأمن، لا يخضع لرئيس الإدارة المدنية، وليس للواء القيادة العامة، بل إنه خاضع للمُديرية المدنية، أوكل مباشرة من رئيس الإدارة بجميع الصلاحيات.. فهو يوّقع على الأوامر، يجمع المجلس الأعلى للتخطيط، ويعلن عن أراضي مُلك عام (أراضي دولة)… يُدير ضباط الأركان [ضباط المقر في الإدارة المدنية]، ويُعلن عن مناقصات للتوظيف، ويوّقع على أوامر مصادرة أراضي للشوارع، وكل شيء لديه. جميع الصلاحيات المدنية“.

نقلت “الإجراءات العملية بين مُديرية الاستيطان والإدارة المدنية” جزءًا كبيرًا من صلاحيات رئيس الإدارة المدنية إلى نائب مدني لا يخضع لامرته مهنيًا. ومع ذلك، وفقًا للإجراءات الأصلية المعمول بها، لا يملك رئيس الإدارة المدنية الحق في إلغاء التفويض أو تغيير قرارات النائب أو التدخل فيها بشكل دوري ودائم. وهكذا، وُلد عرض كاذب وكأن الصلاحيات بقيت داخل الإدارة المدنية، في حين ظل رئيس الإدارة مسؤولًا من الناحية العملية عن هيئة تخضع صلاحياتها وموظفوها وجنودها لمُديرية الاستيطانية التي تخضع بدورها لإمرة الوزير الثاني في وزارة الأمن. كما تم استبعاد القائد العسكري من إدارة الشؤون المدنية، ونقل مركز صنع القرار إلى السلكين المدني والسياسي.

يهدف تعيين النائب داخل الإدارة المدنية إلى طمس المعنى الحقيق لهذه الخطوة والحفاظ على الغلاف العسكري ظاهريًا فقط. في الممارسة العملية، يكون النائب مواطنًا خاضعًا على الصعيدين المهني والسياسي لمُديرة الاستيطان، في حين أن موظفي الإدارة وضباط الأركان الذين يمارسون الصلاحيات على الأراضي والتخطيط والإنفاذ، يشكلون ذراعًا تنفيذية للمُديرية. وهكذا، أصبح الإطار العسكري غطاءً رسميًا لنقل السيطرة الجوهرية من القائد العسكري إلى وزير إسرائيلي وجهاز مدني تابع له.

وفي أعقاب إلتماس قدمته “ييش دين” وجمعية حقوق المواطن، غيّرت الدولة في 2025 جزءًا من تعليمات الإجراءات العملية المعمول بها وأرجعت بعض القدرات إلى رئيس الإدارة المدنية والقائد العسكري تتيح له التدخل في ممارسة الصلاحيات. ومع ذلك، بقي الجوهر الأساس من هذه العملية على حاله: لا تزال صلاحيات سلطوية واسعة في أيدي نائب مدني خاضع لمُديرية الاستيطان ويتلقى منها التوجيهات السياسية.

حتى الإستشارة القضائية إزاء مُمارسة الصلاحيات التي حُولّت إليه، تم إخراجها من الإطار العسكري (المستشار القضائي في يهودا والسامرة) ونقلها إلى المستشار القضائي في وزارة الأمن. وبالتالي، أحيلت المنظومة القضائية المرافقة للقوة التي تُحدد السياسيات والمسؤولة عن تنفيذها إلى السلك المدني والسياسي ليس فقط تحديد السياسات وتنفيذها. ظلّ القائد العسكري صاحب السُلطة الرسمية، لكن قدرته على التدخل اقتصرت على الحالات ذات الأثر الأمني الحرج.

وقد ثبتت الحكومة في تموز/ يوليو 2026 منظومة نقل الصلاحيات وحوّلته من حالة مؤقتة إلى بنية تحتية حكومية دائمة. وفي إطار هذه الصيرورة تمت المصادقة على إعفاء من تنظيم مناقصة لمنصب رئيس مُديرية الاستيطان، وتم تمديد فترة ولاية هيلل روط من أربع إلى ست سنوات. تهدف هذه الخطوة إلى ضمان استمرار نشاط المُديرية وروط حتى بعد الانتخابات ويجعل من الصعب على أي حكومة مستقبلية إلغاء هذه التغييرات البنيوية التي أحدثها على طابع السيطرة على الضفة الغربية. وبذلك، رسخّت الحكومة آلية الضمّ داخل خدمات الدولة، وحمتها من تغيير الحكومة وجعلت نقل إدارة الضفة الغربية إلى السلك السياسي الإسرائيلي حقيقة مؤسسية مصممة لتبقى إلى الأبد.