حددت دولة إسرائيل عام 2016 – لأول مرة – جداول زمنية للتعامل مع ومُعالجة الشكاوى المعنية بالانتهاكات المشتبه بها لقوانين القتال من قبل جنود. حددت اللجنتان اللتان نظرتا بالموضوع، لجنة تيركل ولجنة تشيخنوفر، أنه يتوجب على النيابة العامة العسكرية أن تتخذ قرارًا إزاء ما إذا كان سيتم فتح تحقيق في شكوى في غضون 14 أسبوعًا كحدٍ أقصى؛ وأنه في الحالات التي يتم فيها فتح تحقيق جنائي، يجب إكماله في غضون 9 أشهر، وفي الحالات الخطيرة في غضون عام؛ على أن لا يتعدى الحد الأقصى للمُدة الزمنية لاتخاذ قرار إزاء توجيه لائحة اتهام في الملف 9 أشهر، وفي حالات استثنائية إلى عام.
بمرور عقد من الزمن، تفحص ورقة المُعطيات هذه التطبيق الفعلي للجداول الزمنية المُحددة، بواسطة مُعاينة مُدة مُعالجة منظومة إنفاذ القانون العسكرية للشكاوى إزاء مخالفات وجرائم ارتكبها جنود بحق سكان فلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية بين السنوات 2016 – 2025. تستند البيانات الواردة في هذه الورقة إلى الملفات التي مثلت فيها ييش دين السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية الذين تضرروا من أفعال الجنود الإسرائيليين في هذه السنوات.
تبدو مدة مُعالجة الشكاوى مسألة ثانوية، بل إنها تتضاءل مقارنةً بمقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين في قطاع غزة ونتائج عنف المستوطنين المستفحل في الضفة الغربية. ومع ذلك، فإن مدة مُعالجة الشكاوى بالغة الأهمية لفحص جدية وكفاءة التحقيق في شبهات الاعتداء على الفلسطينيين وإيذاءهم. إطالة التعامل مع الشكاوى هو أحد الأسباب المركزية وراء بقاء نسبة لوائح الاتهام الموّجهة ضد جنود اثر شكاوى فلسطينيين على الاعتداء عليهم من قبل الجنود، منخفضة جدًا: فبين الأعوام 2016 – 2024 تم إبلاغ الجيش بـ2,427 شكوى؛ فُتح 552 ملف تحقيق (%22,7 من الشكاوى)؛ وقُدمت 23 لوائح اتهام (%0,9 من مُجمل الشكاوى).
تُظهر المُعطيات التي تم جمعها على مدى عقد من رصد مُعالجة الجيش لشكاوى الفلسطينيين أن الجيش غير قادر على الايفاء حتى بالأطر الزمنية المحددة، بناءً على الفترات الزمنية التي اقترحها بنفسه:
- الوقت اللازم لاتخاذ قرار بشأن فتح تحقيق جنائي 213 يومًا بالمُعدل – نحو سبعة أشهر أو ضعف أو أكثر من المدة الزمنية المُحددة لذلك;
- في شكاوى تُعنى بالقتل غير العمد التي لم يُفتح فيها تحقيقًا فوريًا – متوسط المُدّة الزمنية لاتخاذ القرار 304 يومًا، أي نحو عشرة أشهر؛
- إستغرق التعامل مع ما يقرب من نصف الشكاوى (نحو %45) ما بين سنتين وخمسة سنوات؛
عنق الزجاجة المُعتبر في مُعالجة النيابة العامة العسكرية: بالذات قبل اتخاذ قرار بفتح تحقيق جنائي، وبدرجة أقل بعد الانتهاء من التحقيق من قبل الشرطة العسكرية المُحققة وإحالة الملف للمدعي العام لاتخاذ قرار إزاء توجيه لائحة اتهام أو إغلاق ملف التحقيق. المُدة الزمنية الطويلة المُنقضية إلى حين فتح التحقيق واتخاذ القرار، تُحبط عمليًا التحقيقات وقدرة جهاز إنفاذ القانون العسكري على معاقبة من يخالف القانون والتعامل مع الانتهاكات المشتبه بها لقوانين القتال.
تجنب النيابة العامة العسكرية طوال السنين التعامل الجاد والسريع والفعال مع الشكاوى المقدمة إليها هو رسالة واضحة للجنود بأن الجيش لا يرى أي ضرر في استخدامهم للعنف أو الاعتداء بالضرب والايذاء أو نهب الممتلكات أو التسبب في إصابات وحتى قتل سكان فلسطينيين في الضفة الغربية. بالإضافة، فإن التهاون والتساهل المتواصل مع الجنود يتيح لهم التصرف بدون قيود تجاه السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية مما جعل العنف والإذلال والوحشية أداة في أيدي الضباط والقادة بالميدان، تُتيح لهم التصرّف بحرّية أكبر.
تخدم مُماطلة الجيش في مُعالجة شكاوى الفلسطينيين والنظر فيها هدفًا مُضاعفًا: داخليًا فهي تساعد دولة إسرائيل على توفير الحصانة للجنود من المُحاكمة والمثول أمام القضاء، وتُتيح للجيش تطبيق سياسة التحّكم بالفلسطينيين دون قيود سيادة القانون؛ بالمقابل، فهي تخلق نحو الخارج مظهر إنفاذ القانون وجهاز فعّال، مما يجعل التدخل الدوليّ صعبًا.
إلا أن المُعطيات الواردة في هذه الورقة تُثبت تنصّل إسرائيل من مسؤوليتها بأن تتعامل بجدية مع الشكاوى المعنية بأفعال مناقضة لقوانين القتال، وتناقض المظاهر وتستدعي تدخلًا خارجيًا.



