يعتمد تعميق السيطرة الإسرائيلية ومعها توسيع المشروع الاستيطاني على الاستثمار المكثف في الطرق والبنية التحتية، المصممة لتحسين الظروف الحياتية بالمستوطنات، وربطها ببعضها البعض وبإسرائيل، وخلق حوافز من شأنها تشجيع الإسرائيليين على الانتقال للسكن فيها. تُعتبر هذه الخطوات جزءًا من صيرورة ساعية إلى توسيع الوجود الإسرائيلي وبسط السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

منظومة من الطرقات والشوارع الناجعة والمُريحة هي شرط للاستيطان وزيادة تعداده السكاني. على مر السنين، استثمرت الحكومات الإسرائيلية مبالغ كبيرة في تطوير شبكة شوارع تربط المستوطنات ببعضها البعض وبالقدس ومركز البلاد. في السنوات الأخيرة، تم تعزيز وتسريع هذه السياسية بموجب الهدف الذي روّج له كبار المسؤولين في الحركة الاستيطانية، الساعي إلى مُضاعفة عدد المستوطنين (من نحو نصف مليون إلى مليون في السنوات القادمة). استثمرت حكومة إسرائيل السابعة والثلاثون مليارات الشواكل في البنية التحتية للمواصلات لأجل المستوطنات، بهدف تقصير أوقات السفر وإتاحة المستوطنات في الضفة الغربية للاسرائيليين العاملين داخل إسرائيل. منذ كان سموتريتش وزيرًا للمواصلات في 2020، شرح المنطق وراء الاستثمار في البنية التحتية: “كل من يريد أن يستقطب مليون مستوطن ويجلبهم إلى يهودا والسامرة عليه أن ينشر هنا شبكة من البنية التحتية الخاصة بالمواصلات، الشوارع، والمواصلات العامة”.

وينطوي تعبيد الطرق على مُصادرة الأراضي الفلسطينية وتوسيع نطاق الفصل في الشوارع، بشوارع مخصصة للاسرائيليين فقط وأخرى للفلسطينيين، إلى جانب استثمار مبالغ هائلة من ميزانية الدولة. هكذا، على سبيل المثال، بالنسبة لشق “شارع التفافي حوارة” صودرت 406 دونمات من الأراضي الفلسطينية الخاصة، ولأجل شق طريق “التفافي الفندق” صدر أمر وضع اليد على 216 دونمًا اضافية. تُقدر تكلفة شق كل شارع لوحده بنحو 200 مليون شيكل. يستخدم هذه الشوارع الرئيسية الإسرائيليين بالأساس، في حين يضطر السكان الفلسطينيون إلى استخدام طرق بديلة.

العلاقة بين الاستثمار في البنية التحتية والضم بارزة بشكل خاص على الشارع المعروف في إسرائيل باسم “شارع السيادة” في منطقة معاليه أدوميم، والذي يهدف إلى خلق امتداد إسرائيلي بين القدس ومعاليه أدوميم والسماح لإسرائيل بإغلاق حيّز E1 بوجه الفلسطينيين. شق هذا الشارع سيخلق شبكة شوارع مُنفصلة للإسرائيليين والفلسطينيين (شارع فصل عنصري – أبارتهايد) وسيؤدي إلى جانب البناء في المنطقة إلى عزل القدس الشرقية عن بقية نواحي الضفة الغربية ويؤذي الامتداد الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها. تم تخصيص  335 مليون شيكل لشق الشارع من خلال صندوق الإدارة المدنية.

يزيد الإستثمار بالبنية التحتية في الضفة الغربية من دمج الأراضي المُحتلة في الأنظمة الإسرائيلية وتوظيف الأراضي والموارد الفلسطينية لمصلحة إسرائيل والمستوطنات. قررت الحكومة في تشرين الثاني/ أكتوبر 2024 تعزيز بناء محطتين لتوليد الكهرباء وتخصيص نحو 2,000 دونم من أراضي المنطقة C لحقول الطاقة الشمسية ليتم دمجها في اقتصاد الطاقة الإسرائيلي، في حين تعمل إسرائيل على الحد من تطوير البنية التحتية الفلسطينية المستقلة لتوليد الكهرباء.

كما خصصت الحكومة  في حزيران/ يونيو 2025 نحو 35 مليون شيكل لبناء هوائيات خلوية في الضفة الغربية، وقد وقع الاختيار على موقعها بما يستجيب مع احتياجات المستوطنين. يتم تمويل كل من الهوائيات و “شارع السيادة” من صندوق الإدارة المدنية الخارج عن الميزانية، والذي يتم تحويل الأموال التي تُجمع من السكان الفلسطينيين إليه، من بين أمور أخرى. من المفترض أن يستخدم الصندوق لتنمية المنطقة ولصالح السكان الفلسطينيين المحليين، ولكن في الممارسة العملية يتم تحويل هذه الأموال لتلبية احتياجات المستوطنات. وبالتالي، يُطلب من السكان الفلسطينيين الرازحين تحت الإحتلال تمويل البنى التحتية المُعدة لتقييد حركتهم وتوسيع المستوطنات.

شق شوارع غير قانونية من قبل المستوطنين

وإلى جانب الشوارع “المرخصة” التي خططت لها الدولة والسلطات العسكرية وتقوم بشقتها وتعبيدها، شقّ المستوطنون منذ عام 2023 مئات الشوارع المُقرصنة، بطول تراكمي يبلغ 223 كيلومترًا. تربط هذه الطرق بين البؤر الاستيطانية والمستوطنات، وتفتح مناطق جديدة لنشاط المستوطنين وتسمح لهم بالاستيلاء على الأراضي وتهجير الفلسطينيين منها والتضييق عليهم. وفقًا لرصد مُنظمة السلام الآن ، يمر نحو 110 كم منها عبر الأراضي الفلسطينية الخاصة أو الأراضي التي لا يتم تعريفها على أنها “أراضي مُلك عام” (أراضي دولة)، ونحو 4,8 كم تم شقها وتعبيدها في المنطقة B. كما تم ذكر الظاهرة في  مُلخص نقاش قائد القيادة الوُسطى من آذار/ مارس 2024، والذي أوضح أن الشوارع الضرورية للاستجابة للاحتياجات الأمنية يتم شقها وتعبيدها قانونًا من قبل الجيش.

بدلًا من التخلص من الشوارع المُقرصنة وإرجاع الأرض إلى أصحابها، تعمل الدولة على شرعنة بعض الطرق والشوارع بأثر رجعي وتحويلها إلى مشاريع رسمية. عندما تشّق هذه الطرق والشوارع الأراضي الفلسطينية الخاصة، قد يُصدر الجيش أمرًا بوضع اليد عليها. وهذا ما كان عام 2023 فيما يتعلق بالطرق التي شقها المستوطنون بالقرب من “عيلاي” و “كريات أربع“. لا يسمح القانون الدولي بالاستيلاء على الأراضي إلا لأغراض أمنية عاجلة، لكن هذه الحالات توضح كيف يتم تطويع الحاجة الأمنية وإخضاعها لأهواء استيطانية وتستخدم لشرعنة الشوارع والطرق التي تم شقها لمصلحة المستوطنات ولتحقيق المصالح والمطامع الاستيطانية الإسرائيلية.

الشوارع، محطات توليد الطاقة، وشبكات الاتصالات هي البنية التحتية التي تُمكن توسيع الاستيطان واستيعاب مئات الآلاف من المستوطنين الإضافيين ودمج الأراضي المحتلة وضمها إلى إسرائيل. وفي حين تربط البنى التحتية المستوطنات ببعضها البعض وبإسرائيل، فإنها تصادر الأراضي الفلسطينية، وتفصل المجتمعات، وتقيّد حركة السكان وإمكانيات تنمية التجمعات السكانية الفلسطينية. وبالتالي، تعيد إسرائيل تصميم المنطقة في الضفة الغربية كجزء من أراضيها السيادية وتشجع على ضمها.