يتطلب توسيع المشروع الاستيطاني توسعًا مستمرًا في المساحة ومخزون الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. لهذا الغرض، قامت الحكومات الإسرائيلية على مر السنين بتفعيل سلسلة من الآليات المختلفة لنقل الأراضي من السيطرة والاستخدام الفلسطينيين إلى السيطرة الإسرائيلية، لغرض إنشاء المستوطنات، شرعنة البؤر الاستيطانية، وتطوير البنية التحتية لأجل المواطنين الإسرائيليين. حتى عام 1979، استخدمت إسرائيل الأوامر العسكرية للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية الخاصة وإنشاء المستوطنات عليها، ولكن في السنة ذاتها قضت محكمة العدل العليا في قرار الحكم الصادر بشأن قضية إيلون موريه بعدم جواز استيلاء الحكومة الإسرائيلية على الأراضي ذات الملكية الخاصة إلا لحاجة عسكرية واضحة وعاجلة، وليس لغرض إنشاء مستوطنات. في أعقاب الحكم، توقفت إسرائيل عن إنشاء المستوطنات من خلال أوامر الاستيلاء العسكري وتحولت إلى آليات أخرى لتخصيص الأراضي للمستوطنات.

 

إعلان “أراضي المُلك العام”

إحدى الأدوات الرئيسية التي تحوّل إسرائيل الأراضي إلى سيطرتها هي بإعلانها “أراضي مُلك عام” (أراضي دولة). على المستوى الرسمي، تُعتبر أي أرض في الضفة الغربية غير مملوكة ملكية خاصة أرض مُلك عام (وهو مصطلح مشابه لـ “أراضي الدولة”) سواء كانت مسجلة على هذا النحو أم لا. بموجب التفسير الإسرائيلي لقانون الأراضي العثماني، يمكن إعلان الأراضي التي لم تثبت مُلكيتها بملكية خاصة أو غير أنها غير مُستصلحة بشكل مستمر كـ “أراضي مُلك عام” (أراضي دولة). وفقًا للقانون الدولي، من المفترض أن يُدير الجيش الأراضي المعلنة كأراضي مُلك عام على أن تستخدم لتلبية الاحتياجات العامة للسكان المحليين الرازحين تحت الاحتلال، على سبيل المثال لإنشاء بلدات أو بنية تحتية ضرورية.

عمليًا، وفي ظل نظام الاحتلال الإسرائيلي، أصبحت آلية إعلان أراضي المُلك العام أداة مركزية لنقل الأراضي للمستوطنات، وتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية وخلق أساس لضم الضفة الغربية. خصصت إسرائيل الغالبية العظمى من الأراضي المعلنة كأراضي مُلك عام (أراضي دولة) لتوسيع المشروع الاستيطاني مع استخدام آلية الإعلان أيضًا لشرعنة البناء الإسرائيلي غير القانوني بأثر رجعي. للمُقارنة، من بين جميع “أراضي المُلك العام” (أراضي الدولة) في الضفة الغربية التي خصصتها الإدارة المدنية لأي استخدام كان منذ عام 1967 حتى عام 2024، تم تخصيص 0,24% فقط لاستخدام الفلسطينيين.

وفقًا لرصد “السلام الآن”، أثناء حُكم الحكومة الاسرائيلية السابعة والثلاثين، تم إعلان نحو 27,119 دونمًا من الأراضي كأراضي مُلك عام – وهو استخدام  غير مسبوق لآلية إعلان أراضي مُلك عام لأغراض واحتياجات استيطانية. ففي عام 2024 وحده، تم إعلان 24,258 دونمًا كـ”أراضي مُلك عام”. وبالمقارنة، بين عامي 2000 و 2023، تم الإعلان عن ما مجموعه 22,284 دونمًا. يهدف الإعلان عن الأراضي كأراضي مُلك عام، من بين أمور أخرى، إلى إضفاء الشرعية بأثر رجعي على البؤرة الاستيطانية “إفياتار” وتخصيص الأراضي لإنشاء وتوسيع المستوطنات، وشملت أكثر من  20  ألف دونم في غور الأردن، وهي منطقة تعمل إسرائيل منذ سنوات لضمها وتثبيت سيطرتها عليها. في عام 2025، تم الإعلان عن 1,200 دونم، من بين أمور أخرى، لشرعنة البؤرة الاستيطانية “ملأخي هشالوم” (ملائكة السلام) وتوسيع البؤر الاستيطانية “حافات جلعاد” و “يتدوت”. بحلول حزيران/ يونيو 2026، تم الإعلان عن 1,160 دونمًا خُصصت من أبن أمور أخرى لشرعنة البؤرة الاستيطانية “حفات هروئي” وتوسيعها.

المحميات الطبيعية والمواقع التاريخية والسياحية

إعلان الأراضي كمحميات طبيعية، متنزهات وحدائق، غابات، ومواقع تاريخية يسمح لإسرائيل بفرض قيود على السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية لاستصلاح الأراضي الزراعية، الرعي، والبناء على أراضيهم ونقل الأراضي إلى لسيطرتها. على مر السنين، أعلنت إسرائيل مئات الآلاف من الدونمات في الضفة الغربية كمحميات طبيعية وبالتالي حرمت الفلسطينيين منها. تتحمل الإدارة المدنية إدارة المحميات الطبيعية والمناطق المخصصة كـ “حدائق وطنية” في مناطق C من خلال ضابط الأركان المسؤول عن المحميات الطبيعية والحدائق الوطنية، في حين ضابط الأركان المسؤول عن الآثار يُدير المواقع الأثرية والتاريخية.

عمليًا، نقلت الادارة المدنية إدارة بعض المحميات والمواقع التاريخية إلى سُلطة الطبيعة والحدائق وللسلطات المحلية للمستوطنات. نقل إدارة المواقع الطبيعية والتاريخية في الضفة الغربية إلى السلطات الإسرائيلية المدنية يطمس العلامات التي تميّز بين الضفة الغربية وإسرائيل، مما يُعتبر بحد ذاته عن الضم الذي يتوّسع ليطال عمل مؤسسات الدولة إلى ما وراء حدودها السيادية.

في السنوات الأخيرة، تم إعلان عشرات آلاف الدونمات في الضفة الغربية محميات طبيعية وتم استثمار مبالغ ضخمة في تطوير المواقع الطبيعية والمواقع التاريخية والسياحة. وكان أكبر إعلان حتى اليوم، توسيع المحمية الطبيعية أم زوكا (“ناحل أوغ”، وادي المقلق) بالقرب من أريحا إلى حد نحو 22 ألف دونم، يشمل الاستيلاء على أراضي فلسطينية خاصة. بعد الإعلان، يُطلب من مالكي الأراضي الحصول على موافقة  الإدارة المدنية من أجل استصلاح أراضيهم، زراعتها، أو الرعي فيها. كما تشمل منطقة المحمية الموسعة البؤرة الاستيطانية “مزرعة أوري”. وبهذه الطريقة، يوّظف الإعلان لأجل حرمان الفلسطينيين من الوصول إلى المنطقة ولترسيخ بؤرة استيطانية إسرائيلية.

في المقابل، تسارعت وتيرة الاستيلاء على المواقع التاريخية. خلال فترة ولايتها، خصصت الحكومة السابعة والثلاثون مئات الملايين من الشواكل لتطوير المواقع التي تم تعريفها على أنها “مواقع تراث يهودي”، بما في ذلك الموقع الأثري التاريخي سبسطية، والذي يمتد جزئيًا على أراضي فلسطينية خاصة، بالقرب من قرية سبسطية الفلسطينية. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أعلنت الإدارة المدنية عن مصادرة الموقع الأثري في سبسطية. وهذه أكبر مصادرة لموقع أثري في الضفة الغربية منذ عام 1967. تحدّ مُصادرة وتطوير الموقع كمركز سياحي للجمهور الإسرائيلي من وصول الفلسطينيين المحليين وتواصلهم مع تراثهم المحلي وتُبعدهم عن أراضيهم.

تُستخدم المواقع الأثرية والتاريخية ليس فقط للسيطرة على الأرض، بل أيضًا لنسب التاريخ وتشكيل الوعي بالانتماء إلى الحيّز والمنطقة. تُمكّن السيطرة على هذه المواقع والسيطرة على طريقة عرضها إسرائيل من إبراز الرابط اليهودي للمكان وضحد تراث الشعوب والحضارات الأخرى، ولا سيما التراث الفلسطيني. عرض المواقع كجزء من “تراث إسرائيل” يطمس مكانة الضفة الغربية كأرض واقعة تحت الاحتلال وحتى يعطي الضم مبررًا على صعيد التاريخ والوعي.

توسيع مُسطحات النفوذ والمناطق الخاضعة للسيطرة الأمنية الخاصة

مُسطحات نفوذ المجالس الإقليمية والمستوطنات في الضفة الغربية هي حدود المنطقة البلدية العمرانية المُحددة بموجب أمر للقائد العسكري وتغطي مناطق أكبر بكثير من المساحة العمرانية المأهولة والأراضي التي تستغلها بالفعل. تقع نحو 66% من أراضي المنطقة C داخل حدود المجالس الإقليمية الإسرائيلية. بموجب مُعطيات “بمكوم”، تمتد مسطحات نفوذ المستوطنات داخل هذا الحيّز إلى نحو 16,5% من أراضي المنطقة C. تشمل هذه المناطق جزءًا كبيرًا من الأراضي التي تعرّفها اسرائيل كـ”أراضي مُلك عام” (أراضي دولة)، حتى عندما لا تكون هناك حاجة بلدية للمستوطنة فيها. إن إدراج مساحات ما في مُسطح نفوذ مستوطنة يمنع الفلسطينيين من دخولها ويسمح بمنع وصولهم إلى الأراضي ومناطق الرعي والشوارع.

منذ بداية عام 2023، أصدر القائد العسكري 114 أمرًا جديدًا لتعيين مساحات نفوذ مستوطنات وتوسيع مساحات نفوذ قائمة لبعضها – وهو نفس عدد جميع الأوامر الصادرة في السنوات الـ 22 التي سبقت ذلك. بواسطة هذه الأراضي أضيف أكثر من 25 ألف دونم لمُسطحات نفوذ المستوطنات. من بين أمور أخرى، تم توسيع مُسطح نفوذ مستوطنة “جيفع بنيامين” وضم نحو 1100 دونم لمساحتها، لتشمل البؤرة الاستيطانية غير الشرعية “بني آدم” مما يتيح منحها صفة شرعية بأثر رجعي. يخلق التوسيع داخل مُسطح نفوذ المستوطنة جيبين من الأراضي الفلسطينية الخاصة – أحدهما 111 دونم والآخر 11 دونم. علاوة على ذلك، تم توسيع مُسطح نفوذ المجلس الإقليمي “غور الأردن” (بكعات هيردين) بنحو 206 دونم في قلب قرية الجفتلك الفلسطينية؛ كما تم ضم البؤرة الاستيطانية “إحيا”  لمسطح نفوذ “شيلو” كجزء من منحها صفة شرعية ؛ وتم تحديد مُسطح نفوذ مستوطنة  “ناحال حاليتس” بالقرب من بيت لحم؛  وحُددت مسطحات نفوذ البؤر الاستيطانية “كنفي هشاحر” و “متسوكي ايرتس”، في الأراضي التي تم تهجير التجمعين الفلسطينيين “عين سامية” و”المُعرجات” المركزية منها. بهذا الشكل، تُرسخ إسرائيل تهجير التجمعات الفلسطينية وتمنع رجوع سكانها إلى أراضيهم. يُوظف تحديد مُسطحات نفوذ مستوطنات جديدة كأداة لتنفيذ سياسة الضم الإسرائيلية: الاستيلاء على الأراضي والتطهير العرقي لمناطق C.

في المقابل، ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تم توسيع “المناطق الخاضعة للسيطرة الأمنية الخاصة” في مُحيط المستوطنات. يتم الإعلان عن هذه المناطق كمناطق أمنية عازلة ويُشترط الولوج إليها بالحصول على موافقة، ولكن في الممارسة العملية يتم فرض القيود بشكل أساسي على الفلسطينيين الذين يُطلب منهم الحصول على تصريح وتنسيق دخولهم إلى أراضيهم الزراعية ومراعيهم مسبقًا. بهذه الطريقة، تقوم المناطق الخاضعة للسيطرة الأمنية الخاصة بتوسيع المنطقة الخاضعة لسيطرة المستوطنات، حتى من دون تغيير الملكية أو توسيع مُسطحات النفوذ. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، في خضم موسم قطف الزيتون، طالب سموتريتش بأن يأمر السلك السياسي الجيش بإنشاء “مساحات أمنية نظيفة (خالية من الفلسطينيين) حول البلدات والمحاور المرورية” ومنع   الفلسطينيين من دخولها.

حجب الشوارع

حجب الشوارع والحواجز على الطرقات هي جزء من آلية أوسع للسلب والاستيلاء على الأراضي وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية. منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أنشأ الجيش بوابات، حواجز، عوائق، وتلال ترابية ووضع أكوامًا صخرية على الطرق والشوارع التي تربط المجتمعات الفلسطينية بالطرق الرئيسية وأراضيها الزراعية من أجل تقييد حركة الفلسطيين في المنطقة.  في بعض الحالات نصب المستوطنون الحواجز والعوائق وامتنع الجيش عن  إخلائها، بينما في الحالات الأكثر شدة تبنى الجيش هذه التدابير بأثر رجعي ورسخها بأوامر القائد العسكري. يتبين من بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أنه اعتبارًا من كانون الأول/ ديسمبر 2025، كان هناك 925 حاجزًا دائمًا أو مؤقتًا في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

اعتبارًا من كانون الأول/ ديسمبر 2025، ما لا يقل عن 20% من الحواجز  التي أنشأت في الضفة الغربية تمنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، ويُطلب من مُزارعي 98 مجتمعًا فلسطينيًا “التنسيق المسبق” مع الجيش للوصول إلى أراضيهم المجاورة للمستوطنات، وأحيانًا مرتين فقط في السنة. وبهذه الطريقة، توّظف إسرائيل الحواجز والعوائق التي أنشأ المستوطنون بعضها، من أجل عزل المزارعين عن أراضيهم ومصدر رزقهم وفي الوقت نفسه تسمح للمستوطنين بتوسيع سيطرتهم في نفس المنطقة. وتؤدي الحواجز، الجدران، وحجب الطرقات، إلى جانب عنف المستوطنين، إلى إضعاف قدرة المزارعين الفلسطينيين على استصلاح أراضيهم بشكل مستمر. وبموجب التفسير الإسرائيلي لقانون الأراضي العثماني، فإن منع الوصول والاستصلاح من شأنه أن يسهل استيلاء إسرائيل على الأرض ويساعد على تقديمها كأرض غير مُستصلحة وإعلانها “أرض مُلك عام” (أرض دولة).

إن الإعلان عن “أراضي المُلك العام” (أراضي الدولة) والمحميات الطبيعية، ومصادرة المواقع التاريخية والأثرية، وتوسيع مُسطحات النفوذ، وإنشاء مناطق عازلة، ومنع الوصول إلى الأراضي، هي آليات مختلفة تخدم غرضًا مشتركًا: تقليص المساحة الفلسطينية ونقلها إلى السيطرة الإسرائيلية. بواسطة هذه الآليات، تقوم إسرائيل بتغيير تقسيم الأراضي في الضفة الغربية، وترّسخ وتمؤسس سيطرتها وتشجع ضم الأراضي المحتلة.