تأسست مُديرية الاستيطان (المعروفة أيضًا باسم “مُديرية التسوية” في صفوف المستوطنين) كهيئة حكومية جديدة من قبل الحكومة السابعة والثلاثين، كجزء من الاتفاقية الائتلافية بين حزبي الليكود والصهيونية الدينية. وتم ترسيخ إنشائها في شباط/ فبراير 2023 عبر “وثيقة التفاهمات وتقاسم المسؤوليات والصلاحيات بين وزير الأمن والوزير الثاني في وزارة الأمن“، والتي حددت توزيع وتقاسم الصلاحيات بين الوزيرين، إضافة إلى إنشاء المُديرية كهيئة حكومية مخصصة لإدارة جميع جوانب الحياة المدنية في الأراضي المحتلة. الهيئة، واسمها الرسمي هو “مُديرية الاستيطان (تسوية وتنظيم الخدمات المدنية في يهودا والسامرة [الضفة الغربية])”، تخضع مباشرة للوزير الثاني في وزارة الأمن، وهو منصب وُلد في إطار الاتفاقيات الائتلافية ويشغله بتسلئيل سموطريتش. لا تُعنى المُديرية بتوفير الخدمات المدنية للمستوطنين فحسب، بل إنها تعمل على تركيز والترويج للسياسات في شؤون التخطيط والبناء، الأراضي، منح البؤر الاستيطانية صفة شرعية، الإنفاذ، الشوارع والطرق والبنية التحتية، التنقيب عن الآثار والمحميات الطبيعية في الضفة الغربية.

حتى إنشاء المُديرية، كانت هذه المناطق تدار في إطار نظام الحُكم العسكري من خلال الإدارة المدنية. وعليه، ينطوي ذلك على تغيير جوهري في مبنى السيطرة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. عمليًا، تشغل مُديرية الاستيطان دور الإدارة المدنية الجديدة، إلا أنه وعلى النقيض منها لا تنتمي للجيش، بل هي هيئة حكومية نقلت إليها الصلاحيات التي كان يحملها القائد العسكري، التي تُتيح له التحكّم بمُعظم جوانب الحياة في المستوطنات القائمة بالأراضي المُحتلة وعلى مجالات تؤثر على الفلسطينيين مُباشرة، وعلى رأسها التخطيط، الأراضي، والإنفاذ في منطقة C. وصف سموتريتش نفسه أهمية الخطوة في مؤتمر داخلي لحزب الصهيونية الدينية: “لقد أنشأنا نظامًا مدنيًا مُنفصلًا، يوجد مكتب داخل وزارة الأمن […] أوكلت المُديرية المدنية مباشرة من رئيس الإدارة بجميع الصلاحيات“.

في شباط/ فبراير 2023، تم تعيين يهودا إلياهو رئيسًا لمُديرية الاستيطان. كان إلياهو، المقيم في البؤرة الاستيطانية “حرشا” والتي تمت شرعنتها بأثر رجعي، شريكًا في الماضي في تأسيس منظمة “ريجافيم” مع سموطريتش ويعتبر على يمينه. وعمل يوني دانينو إلى جانب إلياهو، وهو مقرّب آخر معروف بصلته الوثيقة بالحركة الاستيطانية، وقد عمل في الماضي مُساعدًا لرئيس مجلس “ماطيه بنيامين”.

وتستمد المُديرية صلاحياتها من الصلاحيات الممنوحة للوزير الثاني في وزارة الأمن المسؤول عن الشؤون المدنية في الضفة الغربية وتُتيح لها التدخل العميق في إنشاء وتوسيع المستوطنات وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية. في هذا الإطار، تحدد المُديرية السياسة وتوجه الهيئات المدنية مهنيًا في المجالات التي نُقلت لتكون في نطاق مسؤولية الوزير. فهي تنهض وتروّج لمُخططات بناء للمُستوطنات؛ تعمل على إضفاء صفة الشرعية للبؤر الاستيطانية وتحويلها إلى مستوطنات معترف بها؛ كما تُشّجع وتنهض بالإعلان عن الأراضي كـ”أراضي مُلك عام” (أراضي دولة) وتسجيلها كذلك؛ وتشارك في إجراءات المصادرة والمعاملات العقارية؛ وتؤثر على سياسة الإنفاذ ضد البناء والعمران الإسرائيلي والفلسطيني؛ كما تروّج وتنهش بشق الطرق، الربط بشبكات المياه والكهرباء، والبنية التحتية الأخرى التي تخدم المستوطنات. كما أن المُديرية مسؤولة عن مجالات كالتنقيب عن الآثار في المناطق التاريخية والمحميات الطبيعية، والتي تؤثر أيضًا على السيطرة على الأرض وإمكانيات استخدامها.

ووفقًا لمُذكرة التفاهمات، يشمل دور المُديرية أيضًا قيادة الإصلاحات المعروفة باسم “المواطنة المتساوية”، التي خُططت لتلائم الخدمات والتسويات التي تقدمها الوزارات الحكومية للمستوطنين مع تلك المقدمة للمواطنين داخل إسرائيل، وتعزيز تنظيم البؤر الاستيطانية غير الشرعية في الضفة الغربية وملاءمة القوانين العسكرية مع القانون الإسرائيلي. بكلمات أخرى، نسخ القانون الإسرائيلي حرفًا بحرف من خلال الأوامر العسكرية لإلغاء الحاجة بإحلال رسمي للقانون الإسرائيلي على المستوطنات وتطبيقه هناك.

وهكذا، في عام 2024، تم إحلال قوانين التجديد الحضري الإسرائيلية في المستوطنات بواسطة أمر لواء عسكري، على الرغم من أن القانون الإسرائيلي لا يسري فيها. وبموجب تقرير إعلامي، وصف البعض في المُديرية هذه الخطوة بأنها “سيادة الأمر الواقع فعليًا على الأرض”. في السنة ذاتها شكّلت مُديرية الاستيطان بالتعاون مع الإدارة المدنية، قائمة لعشرات “مواقع جاري التسوية فيها”، أي بؤر استيطانية غير شرعية التي حصلت على مكانة شرعية تُتيح لهم الترويج والعمل على التخطيط للبنى التحتية والخدمات شتى حتى قبل أن تتم شرعنة هذه البؤر. في المقابل، قادت المُديرية تحركات للاعتراف وتنظيم وتسوية مكانة عشرات المستوطنات والبؤر الاستيطانية الأخرى. كما قادت المُديرية الأعمال على إجراء مسح للخرائط والأراضي، تحديد الخطوط الزرقاء، وبقيادتها تم النهوض بإعلانات واسعة النطاق عن أراضي في الضفة الغربية كـ”أراضي مُلك عام” (أراضي دولة)، والتي وسّعت نطاق الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وتستخدم لتوسيع المستوطنات.

خُصتت للمُديرية على عشرات الملاكات فقط، إلا أنها من الناحية العملية تعتمد على آلية الإدارة المدنية التنفيذية، التي توظف المئات من الموظفين. تُرسخ إجراءات العمل بين مُديرية الاستيطان والإدارة المدنية هيكلًا تنظيميًا يركّز بين يدي نائب الرئيس المدني لرئيس المُديرية الصلاحيات ذات الصلة ويشغل دور المُشرف المُباشر على قائمة طويلة من الوحدات وضباط المقر القيادي في الإدارة المدنية. وبالتالي، لم تكن حاجة بنقل مئات الموظفين من الإدارة المدنية إلى المُديرية: المُديرية تُخطط وتنص السياسات وتشجّعها وتنهض بها، ونائب الرئيس المدني سويًا مع وحدات المُديرية والموظفين تحته، يخرجونها إلى حيّز التنفيذ.

صادقت لجنة الخدمة التابعة لمفوضية خدمات الدولة في تموز/ يوليو 2026 على إنشاء المُديرية  كهيئة رسمية في وزارة الأمن، وهي خطوة قد تعزز مكانتها وتسهل استمرار نشاطها حتى بعد تغيير الحكومة. في المقابل تم تمديد ولاية نائب رئيس الإدارة المدنية من أربع إلى ست سنوات. هدفت هذه الإجراءات لترسيخ المبنى المؤسسي الذي أنشأه سموطريتش ويجعل من الصعب تفكيكه أو إعادة الصلاحيات إلى الجهاز العسكري بعد تغيير الحكومة.

يعمق المبنى الجديد ويضفي الطابع المؤسسي على الفصل العنصري والفوقية اليهودية التي تُميّز نظام الفصل العنصري (أبارتهايد) في الضفة الغربية. تخضع مجموعتان سكانيتان تعيشان في البقعة ذاتها لأنظمة حُكم مختلفة: يتم دمج المستوطنين بشكل متزايد في الآليات والأنظمة المدنية الإسرائيلية ويستفيدون من الخدمات والتسويات كما لو كانوا يعيشون في إسرائيل، بينما يظل السكان الفلسطينيون في الضفة الغربية تحت الحكم العسكري، دون تمثيل سياسي في النظام الذي يتخذ القرارات التي تتحكم بحياتهم. في المُقابل، أصبحت المنظومة التي أنشأت “لتمدين” إدارة المُستوطنات تتحكم الآن بالقرارات التي تؤثر مُباشرة على الفلسطينيين سكان الضفة الغربية: أين يمكنهم البناء، وما إذا كانت منازلهم ستهدم وما هي الأراضي التي سيتم الإعلان عنها كأراضي مُلك عام (أراضي دولة). وهكذا، في إطار هذا النظام، يتلقى الكيان الذي أنشئ بهدف مُعلن وهو النهوض بمصالح المستوطنات والترويج لها، سلطة قوة حاكمة على السكان الفلسطينيين الذين يعيشون تحت نظام احتلال، وصلاحيات للتحكم بالأراضي، تطويرها، والعمران والبناء عليها.

كما يصاحب نقل الصلاحيات المدنية من نظام عسكري إلى نظام مدني تغيير في جهاز الاستشارات القانونية. مع إخراج الصلاحيات المدنية من نطاق مسؤوليات الجهاز العسكري، تقلصت أيضًا مسؤوليات الاستشارة القضائية العسكرية فيما يتعلق بها. تتلقى المُديرية الاستشارة القضائية من جهة مدنية في وزارة الأمن، تعمل في إطار المنظومة الحكومية الخاضعة للوزير وتساهم في تشجيع والترويج لسياسته. حتى التغيير، كان المستشار القضائي العسكري مسؤولًا عن فحص ومراجعة ممارسة الصلاحيات وفقًا لأحكام وقوانين الاحتلال والتزامات القائد العسكري تجاه السكان الفلسطينيين المحميين، وبالتالي كان يشغل أيضًا وظيفة الكابح والمقيّد لسياسة الحكومة في الأراضي المحتلة. إخراج هذه الصلاحيات من نطاق مسؤولية الجيش الذي يُزعم أنه ملتزم بأحكام وقوانين الاحتلال وتحويلها إلى إطار مدني يضعف هذه الآلية المُعدة للرقابة.

يتجلى تأثير المُديرية أيضًا في سياسة الإنفاذ الميدانية. يشير ملخص نقاش داخلي يحمل عنوان “انعدام الإنفاذ على البناء غير المُرخص في يهودا والسامرة“، والذي نُشر في أيار/ مايو 2024، إلى أن مُخططات إنفاذ إعتمدتها القيادة الوسطى احتاجت أيضًا للحصول على موافقة مُديرية الاستيطان. وبحسب قائد المنطقة الوسطى في حينه، يهودا فوكس، امتنعت المُديرية عن الموافقة على الإنفاذ ضد البناء الإسرائيلي غير القانوني وغير المُرخص، في حين صادقت منهجيًا وبالكامل على مُخططات الإنفاذ ضد البناء الفلسطيني. كما منعت المُديرية أي عمليات إنفاذ التزمت الدولة بتنفيذها أمام المحكمة. وهكذا، اضطر القائد العسكري، الذي يتمتع بالسلطة الرسمية على أرض الواقع، للحصول على مصادقة وموافقة هذه المنظومة المدنية – السياسية من أجل إنفاذ القانون.

يُعتبر إنشاء مُديرية الاستيطان خطوة رئيسية في صيرورة تغيير طابع السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية. لا تلغي إسرائيل الحُكم العسكري ولا تعلن الضمّ رسميًا، الأمر الذي سيؤدي حتمًا إلى فرض عقوبات من المجتمع الدولي. عوضًا عن ذلك، يُترك الإطار العسكري الرسمي القائم على حاله بواسطة الإدارة المدنية، لكن تم نقل صلاحياته، وبينها وضع السياسات والإدارة الفعلية للأراضي، التخطيط، المستوطنات، والبنية التحتية إلى مُديرية الاستيطاني والتي هي منظومة سياسية مدنية إسرائيلية. إنها آلية ضمّ، ليس عن طريق الإعلان صراحة، وإنما عبر تغيير الطريقة التي تُدار بها الضفة الغربية.