طوال معظم سنوات الاحتلال الإسرائيلي، عملت إسرائيل على هدم العمران والبناء الفلسطيني في الضفة الغربية فيما امتنعت عن هدم البؤر الاستيطانية والعديد من المباني التي أنشأها مستوطنون إسرائيليون من دون تراخيص. ومع ذلك، مع تبوأ بتسلئيل سموطريتش منصب الوزير الثاني في وزارة الأمن وإنشاء مُديرية الاستيطان عام 2023، كثّفت الدولة تطبيق سياسة الإنفاذ التمييزية القائمة أصلًا. أحد أهداف سموطريتش وحركة الاستيطان المُعلنة هو كبح التطوير والعمران الفلسطيني في المنطقة C، في إطار ما يطلقون عليه تسمية “المعركة على المنطقة C”. وعليه، تسارع معدل هدم المباني الفلسطينية في المنطقة C، وفي بعض الحالات تم توسيع نطاق الإنفاذ ليشمل مناطق A و B، حيث لا تملك إسرائيل صلاحيات التخطيط. في الآن ذاته، ورغم أن عدد المباني والتي أنشأها إسرائيليون من دون تراخيص قد قفز بوتيرة عالية في تلك الفترة، إلا أن الإنفاذ ضد البناء الاستيطاني غير القانوني تراجع بالكامل تقريبًا.

يتم هدم معظم المباني الفلسطينية في الضفة الغربية بادعاء أنها بُنيت من دون رُخص بناء، ولكن بالنسبة للفلسطينيين الذين تقع منازلهم في المنطقة C يكاد يكون من المستحيل الحصول على مثل هذه التراخيص. يكاد نظام التخطيط الإسرائيلي يمنع تمامًا العمران والبناء الفلسطيني بشكل قانوني مما يضطر الفلسطينيين لبناء منازلهم من دون رُخص، وبالتالي، يخلق للسلطات الإسرائيلية حجة لهدم منازل الفلسطينيين. وهكذا، على سبيل المثال، بحسب مُعطيات “بمكوم”، بين عامي 2021 و 2024، قدم الفلسطينيون 5,071 طلبًا للحصول على رُخص بناء، إلا أنه تمت الموافقة على 22 منها فقط (والتي تشكّل زهاء 0,4%)، أما عام 2025، لم تتم الموافقة على أي طلب من أصل 1,022 طلبًا قدمه الفلسطينيون لتخطيط بناء المساكن. في تلك السنوات، نهضت إسرائيل بمُخططات ورُخص لعشرات آلاف الوحدات السكنية في المستوطنات.

منذ عام 2023، طرأ ارتفاع حاد في وتيرة هدم المباني الفلسطينية، بينما تعزز في الوقت نفسه الإنفاذ الانتقائي ضد الفلسطينيين. وبحسب مُعطيات “بمكوم”، أصدرت السلطات الإسرائيلية عام 2024 أوامر هدم لـ946 مبنى فلسطينيًا، تم هدم 862 منها، وفي العام نفسه أصدرت السلطات الإسرائيلية أوامر هدم لـ280 مبنى أنشأه مستوطنون دون رُخص وتصاريح، إلا أنه لم يُهدم منها إلا 39 فقط. وبعبارة أخرى، تم هدم نحو 91% من المباني الفلسطينية التي صدرت أوامر هدم لها، مقارنة بنحو 14% فقط من المباني التي بناها المستوطنون وصدرت أوامر هدم لها. وهدمت السلطات الإسرائيلية عام 2025، 962 من أصل 1,005 مبانٍ فلسطينية صدرت أوامر هدم لها. أي، نحو 96% مقارنة بـ 20% فقط من المباني التي بناها المستوطنون (58 من أصل 296).

كما تشير البيانات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى إرتفاع حاد في حجم عمليات هدم المباني الفلسطينية في الضفة الغربية. وبحسب مُعطيات مكتب الأمم المتحدة، بلغ المُعدل الشهري لهدم المباني في مناطق C والقدس الشرقية منذ عام 2024، ضعف المُعدل في السنوات الخمس عشرة السابقة على الأقل. في عام 2023، هدمت السلطات الإسرائيلية 676 مبنى لانعدام رُخص البناء، أما في عام 2024 ارتفع عددها إلى 1,066، أي زيادة قدرها 58%. في عام 2025، هُدم 1,280 مبنى لافقاده رُخص بناء، وهو أعلى رقم سنوي يسجله مكتب الأمم المتحدة. وفي 2026؟ بحلول آب/ أغسطس 2026، كانت السلطات قد هدمت 773 مبنى فلسطينيًا. منذ مطلع العام 2024، هُدم ما مجموعه 3,795 مبنى لافتقاده رُخص بناء؛ بينها 42 مبنى يقع في منطقتي A و B، في حين أن البقية تقع في المنطقة C. تسببت عمليات الهدم بتهجير 857 فلسطينيًا من منازلهم وبالمُجمل فقد تضرر أو تأثر نحو 50 ألف شخص بهدم المباني السكنية، والمباني الزراعية والبنية التحتية التي خدمتهم. وبموجب بيانات الأمم المتحدة، هُدم في هذه الفترة 475 مبنى فلسطينيًا إضافة إلى عمليات هدم المنازل التي تم تنفيذها بحجة الافتقاد لرُخص بناء، وذلك في إطار من العمليات العسكرية أو عمليات الهدم العقابية.

أحد أسباب الزيادة الحادة بنطاق عمليات الهدم وتعميق الإنفاذ التمييزي هو نقل السيطرة على عمليات الإنفاذ في المنطقة C لأيجي مُديرية الاستيطان، وهي هيئة مدنية خاضعة لسُلطة الوزير سموطريتش. في الماضي، لم تُرفع إلا العمليات التي اعتبرت حساسة أو ساخنة والخطيرة إلى طاولة السلك السياسي للموافقة عليها، إلا أنه ومنذ آذار/ مارس 2023، تتطلب تقريبًا أي عملية ضد البناء غير القانوني للمستوطنين موافقة مُديرية الاستيطان. بهذه الطريقة، عمليًا، ومنذ تحويل الصلاحيات للمُديرية، أصبحت أية عملية إنفاذ ضد البناء غير القانوني من جانب الإسرائيليين (المستوطنين) يتم فقط في حالات استثنائية ونادرة. وبحسب مُلخص نقاش ترأسه قائد القيادة الوُسطى في حينه، يهودا فوكس، صادقت المُديرية بشكل دائم على كافة عمليات الإنفاذ ضد البناء الفلسطيني، لكنها امتنعت في الآن ذاته عن المصادقة على عمليات الإنفاذ ضد البناء غير القانوني من جانب المستوطنين، بما في ذلك عمليات الإنفاذ التي تعهدت الدولة بتنفيذها أمام المحاكم والهيئات القضائية. وبالتالي خلص فوكر نفسه إلى الاستنتاج بأن الإنفاذ المُطبق على البناء الإسرائيلي غير القانوني تقلّص “حد الاختفاء”، مما خلق “فجوة متنامية آخذة بالتوّسع” بينه وبين الإنفاذ المُطبق على البناء الفلسطيني.

بالإضافة إلى تغيير آلية اتخاذ القرارات، زادت الحكومة من الموارد المتاحة لوحدة الإشراف التابعة للإدارة المدنية من أجل توسيع قدرات الوحدة لتشمل تحديد البناء والعمران الفلسطيني الذي تُحدده كغير قانوني، واستصدار أوامر هدم وتنفيذ عمليات الإنفاذ والهدم. وتُشير مُنظمة “سلام الآن“ إلى أنه بين عامي 2021 و 2024، ارتفعت ميزانية الوحدة من نحو 16,9 مليون شيكل إلى نحو 26,5 مليون شيكل وارتفع عدد الملاكات في الوحدة من 54 إلى67. أما في عام 2025، فقد بلغت ميزانية الوحدة نحو 25,3 مليون شيكل. في السنوات 2025-2024، قامت الحكومة، من خلال وزارة الاستيطان، بتحويل نحو 67 مليون شيكل لتشغيل “أقسام الجولات التفقدية للأراضي” في السلطات المحلية بالمستوطنات. تهدف هذه الأقسام إلى تفقّد وتحديد مواقع يقوم فيها الفلسطينيون بالبناء في الأراضي واستصلاحها والإبلاغ عنها للإدارة المدنية؛ بهذا الشكل دمجت السلطات التمثيلية عن المستوطنين في آلية التفقد والكشف والإبلاغ المستخدمة للإنفاذ ضد الفلسطينيين وذلك بغاية توسيع احتياطيات الأراضي للمستوطنات ذاتها.

كما عملت الحكومة على توسيع قدرات الإشراف والرقابة والهدم في المنطقة C من خلال دمج هيئة مدنية أخرى في نظام الإنفاذ الإسرائيلي. حتى الآن، كان الإنفاذ في مجال التخطيط والبناء من مسؤولية وحدة الإدارة المدنية حصرًا، وهي جزء من آلية نظام الحُكم العسكري. في عام 2025 قررت الحكومة إنشاء وحدة إشراف ورقابة مخصصة في سلطة أراضي إسرائيل على أن تنشط أيضًا في الضفة الغربية. وبموجب سموطريتش، يُفترض أن تشمل الوحدة المذكورة آنفًا نحو 70 موظفًا، وتعتمد على الخبرة، القوى العاملة والوسائل التكنولوجية التي تملكها سلطة أراضي إسرائيل. ومن المتوقع أن تعزز هذه الخطوة قدرة إسرائيل على تحديد مواقع البناء الفلسطيني الذي تُعرّفه كغير مُرخص أو غير قانوني، واستصدار أوامر هدم وتنفيذ عمليات الإنفاذ والهدم. إن دمج سلطة أراضي إسرائيل – وهي هيئة مدنية إسرائيلية لا تشمل صلاحياتها أراضي الضفة الغربية – في نظام الإنفاذ هو خطوة أخرى في تمدين منظومات وآليات السيطرة على الأرض، وطمس التمييز بين إسرائيل السيادية والضفة الغربية والإمعان بالضمّ الفعليّ.

في المقابل، باشرت إسرائيل بفرض وتطبيق منظومات وآليات الإنفاذ على المناطق الخاضعة لصلاحيات السلطة الفلسطينية على الصعيد المدني. ففي تموز/ يوليو 2024، وقّع قائد القيادة الوُسطى أوامر تمنح إسرائيل صلاحية حظر البناء وهدم المباني الفلسطينية في “”المحمية التوافقية” – وهي مساحة تبلغ نحو 167,000 دونم في صحراء يهودا، والتي تشبه مكانتها مكانة المنطقة B وفقًا للاتفاقيات المؤقتة. في السنوات الأخيرة، يفعّل المستوطنون الضغط لأجل إجراء عمليات إنفاذ هناك على البناء غير القانوني حسب مزاعمهم. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2024، تم تطبيق الأوامر للمرة الأولى، حينما هدمت الإدارة المدنية مبانٍ فلسطينية في المحمية التوافقية. وفي شباط/ فبراير 2026، صادق المجلس الوزاريّ المُصغّر لهيئات الإنفاذ التابعة للإدارة المدنية أن تنشط أيضًا في منطقتي A و B الخاضعتين بموجب معاهدات أوسلو لسُلطة وإدارة السلطة الفلسطينية، التي تتمتع بصلاحيات في مجالات البيئة، المياه و “المواقع التراثية والأثرية”. قد تكون هذه التعريفات القابلة للتأويلات والتفسيرات شتى حجة لهدم المباني، سدّ آبار المياه، وقف التطوير العمراني الفلسطيني، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على المواقع الأثرية، حتى في الحالات التي لا تُعتبر فيها كمُخالفة أو جريمة بموجب القانون الفلسطيني.

في الرأي الاستشاري الصادر في تموز/ يوليو 2024، قضت محكمة العدل الدولية بأن نظام التخطيط التمييزي وعمليات الهدم واسعة النطاق وعمليات التهجير تدفع الفلسطينيين خارج أراضيهم وتُرحّلهم منها، وأن سياسة تثبيت وترسيخ السيطرة الإسرائيلية وخلق حقائق لا رجعة فيها على الأرض، خاصة في المنطقة C ترقى إلى ضمّ أجزاء كبيرة من الأراضي الفلسطينية المُحتلة.

يهدف منع الفلسطينيين من البناء والإعمار، هدم المباني والبنية التحتية، والضغط على المجتمعات إلى تهجير الفلسطينيين من مساحات تسعى إسرائيل لفرض سيطرتها عليها والتحكم بها، وبالتالي إعادة تصميم الحيّز. حتى أن سموطريتش نفسه قد صرّح قائلًا إن الغرض من النهوض بـ”نظام إنفاذ جديد تمامًا” في الضفة الغربية هو “جيو – سياسي واستراتيجي وأمني“. إن نقل صلاحيات الإنفاذ إلى هيئات مدنية تخضع للسلك السياسي وتوسيع آليات الإنفاذ الإسرائيلية لتشمل منطقتي A و B يعمق السيطرة الإسرائيلية والضمّ فعليًا. تُشكّل هذه الخطوات جزءًا من استراتيجية تهدف إلى تحقيق رؤية سياسية لفرض السيادة الإسرائيلية مُطلقة على كامل أراضي الضفة الغربية، مع ترسيخ الفوقية اليهودية وتهجير الفلسطينيين والدفع بهم إلى حيّز جغرافي مُقلّص ومحدود قدر الإمكان.