على الرغم من الحظر الصريح في القانون الدولي، بدأت إسرائيل في إنشاء المستوطنات بعد وقت قصير من احتلال الأراضي الفلسطينية. تم النهوض بهذه السياسة رسميًا على مر السنين، من خلال تدخل حكومي مُباشر، شمل التخطيط، التمويل وتنظيم وتسوية المستوطنات، إلى جانب منح إمتيازات وحوافز اقتصادية مُصممة لجذب السكان المدنيين إلى الأراضي المُحتلة. طوال هذه السنين، لوقيت سياسة الاستيطان الإسرائيلية بانتقاد من المنظمات الحقوقية ومؤسسات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي، كما أنه تم الطعن فيها في المحاكم الإسرائيلية. في تسعينيات القرن الماضي، في أعقاب الصيرورة الدبلوماسية (المفاوضات) بين إسرائيل والفلسطينيين، والضغوط الدولية والالتزامات السياسية، أضيفت عوائق وقيود سياسية وبيروقراطية تحول دون توّسع المشروع الاستيطاني. وكرد فعل على هذه القيود، تم إنشاء طريقة البؤر الاستيطانية غير الشرعية، المُصممة لتتجاوز إجراءات المصادقة على إنشائها وتثبيت وقائع في الميدان. بعكس المستوطنات التي أنشأت بمصادقة الدولة رغم عدم شرعيتها، يتم إنشاء البؤر الاستيطانية بهدف تعزيز وتعميق الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية المُحتلة دون قرار حكومي صريح ودون التصاريح والرُخص المطلوبة، لذلك من المتبع تسميتها “بؤر استيطانية غير شرعية”.

على الرغم من إنشاء البؤر الاستيطانية غير الشرعية دون موافقة رسمية من الدولة، في الممارسة العملية، فهي حصلت وتحصل على الدعم، وتمتنع السلطات عن تطبيق الإنفاذ فيها. لا تُوضح الميزانيات المُخصصة لها بشفافية، إلا أنه هناك أدلة وافرة على الدعم المالي الذي تتلقاه من ميزانية الدولة، من خلال الوزارات الحكومية، هيئات تابعة للسلطات والوزارات، الجمعيات المدعومة بميزانيات، ومنظمة الهستدروت الصهيونية، الصندوق القومي اليهودي وغيرها من الهيئات. سمحت هذه الطريقة القائمة على الدعم غير المباشر للدولة بالحفاظ على ما يشبه التقيّد والالتزام بالقانون، وعرض البؤر الاستيطانية على أنها مُبادرات خاصة خارجة عن سياستها الرسمية، وفي الوقت نفسه الاستفادة من الوقائع التي ثُبتت على أرض الواقع وتوظيفها لتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية. وقد أعطت هذه السياسة المتمثلة في غض الطرف والدعم غير المباشر الدعم لأولئك الذين يعملون للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك أراضٍ بمُلكية خاصة.

يبدأ إنشاء بؤرة استيطانية بالاستيلاء من جانب واحد على الأراضي دون إذن. وفي غضون فترة زمنية قصيرة، يتم تعبيد وشقّ شوارع للوصول إليها، ويمرّ بعضها عبر أراضي بملكية خاصة، بمناطق مفتوحة، في حين تُحجب إمكانية وصول السكان الفلسطينيين إلى أراضيهم. هذه الخطوات، ورغم كونها غير قانونية، تتم في الغالب بمرافقة عسكرية وبدون إنفاذ حقيقي من جانب السلطات. في العديد من الحالات، يستولي المستوطنون المقيمون في البؤر الاستيطانية على مساحات شاسحة من خلال البناء غير القانوني، رعي المواشي على نطاق واسع، الاستيلاء على مصادر المياه الطبيعية، وغالبًا أيضًا بمُمارسة للعنف الموّجه ضد الفلسطينيين القاطنين على مقربة من هناك.

في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تعهدت إسرائيل أمام جهات دولية بتعليق (تجميد) العمران والبناء في المستوطنات وإخلاء البؤر الاستيطانية غير الشرعية في الضفة الغربية، وقد صرّحت أمام المحكمة العليا الإسرائيلية أنها ستعمل على إنفاذ القانون والقيام بإخلاء بؤر استيطانية. ومع ذلك، لم يتم إخلاء معظم البؤر الاستيطانية التي واصلت النمو. وتبنّت الحكومة الإسرائيلية عام 2011 سياسة تُميّز بين البناء على أراضي فلسطينية بمُلكية خاصة، المخصصة للإخلاء، والبؤر الاستيطانية المُقامة على أراضي المُلك العام (أراضي الدولة)، والتي من المُحتمل فحص إمكانية إضفاء صفة شرعية عليها (شرعنتها). في السنوات التي تلت ذلك، تم تدريجيًا توسيع مسار إضفاء الصفة الشرعية بأثر رجعي. حتى أن الدولة حاولت إنشاء آليات لإضفاء الصفة الشرعية على البناء على أراضي بمُلكية خاصة فلسطينية، بما في ذلك، من خلال قانون المُصادرة (قانون التسوية والتنظيم) لعام 2017، والذي أسقطته محكمة العدل العليا.

الشرعنة بأثر رجعي والتعجيل في إنشاء البؤر الاستيطانية

في السنوات الأخيرة، وبشكل زائد مع تنصيب الحكومة السابعة والثلاثين في إسرائيل، حوّلت الدولة سياستها المتمثلة في دعم البؤر الاستيطانية غير الشرعية، والمُتبعة طوال سنين بشكل غير مُباشر وتحت غطاء إنفاذ القانون، إلى سياسة رسمية واستباقية للشرعنة (إضفاء صفة شرعية) بأثر رجعي. وقرر المجلس الوزاريّ المُصغّر في شباط/ فبراير 2023 إضفاء صفة شرعية على عشرة بؤر استيطانية غير شرعية وتحويلها إلى تسع مستوطنات جديدة. وفي الشهر نفسه، أنشأ المجلس الوزاريّ المُصغّر مسارًا إلتفافيًا للتنظيم والتسوية يُتيح إعلان البؤر الاستيطانية “مواقع للتنظيم والتسوية” وربطها بالبنية التحتية، إنشاء مباني عامة، وتزويدها بالخدمات حتى قبل تنظيمها وتسوية مكانتها قانونًا. في أعقاب هذا القرار، أمر الوزير سموطريتش بتزويد 68 بؤرة استيطانية غير شرعية بالخدمات المدنية وربطها بشبكة البنى التحتية، بعضها في طور مسار الشرعنة لتصبح مستوطنات رسمية، لكن البعض الآخر يفتقد أي صفة قانونية لشرعنة وإضفاء صفة شرعية عليها. وقد قرر المجلس الوزاريّ المُصغّر في حزيران/ يونيو 2024 إضفاء صفة شرعية على خمسة بؤر استيطانية إضافية غير شرعية وتحويلها إلى خمس مستوطنات جديدة. وفي إطار قرار المجلس الوزاريّ المُصغّر إزاء إنشاء 13 مستوطنة مستقلة في آذار/ مارس 2025، تم إضفاء صفة شرعية على ما لا يقل عن ثمانية بؤر استيطانية أخرى غير شرعية أنشأت في الماضي دون قرار حكومي. ومن بين 22 مستوطنة جديدة تم إنشاؤها بقرار المجلس الوزاريّ المُصغّر في أيار/ مايو 2025، توجد 12 بؤرة استيطانية غير شرعية أنشأت في السنوات الأخيرة وحصلت على اعتراف رسمي بأثر رجعي. تدلّ سياسة شرعنة البؤر الاستيطانية أن الدولة لا تنظر إلى مؤسسي البؤر الاستيطانية كمن يقترفون مخالفات بناء أو مُجرمين ينتهكون القانون والذين يسعون لتقويض سلطتها، بل تعتبرهم قوة طلائعية تُطبق أهدافها التوسعية الإقليمية – خلق امتداد جغرافي إسرائيلي، والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية والتضييق على السكان الفلسطينيين وتهجيرهم.

إلى جانب عمليات إضفاء الصفة الشرعية على البؤر الاستيطانية، وسّعت الحكومة الدعم المادي للبؤر الاستيطانية والبؤر الاستيطانية الزراعية (المزارع الاستيطانية). في 2023، حوّلت الحكومة من خلال شعبة الاستيطان 28 مليون شيكل إلى البؤر الاستيطانية والبؤر الاستيطانية الزراعية (المزارع الاستيطانية)، وفي ميزانية عام 2024، تمت الموافقة على 75 مليون شيكل إضافية “للاستيطان الشبابي”، من بين أمور أخرى لأجل تعبيد وشق الشوارع، تشييد المباني العامة المحمية و “المكونات الأمنية”. روفقت هذه الخطوات بقفزة غير مسبوقة في نطاق ووتيرة إنشاء البؤر الاستيطانية غير الشرعية بالسنوات الأخيرة. على سبيل المثال، تُشير مُعطيات “سلام الآن” إلى أنه بين السنوات 2022-2000، أنشأت 140 بؤرة استيطانية جديدة غير شرعية في جميع نواحي الضفة الغربية. في المقابل، بين كانون الثاني/ يناير 2023 وآب/ أغسطس 2026، أنشأ المواطنون الإسرائيليون 231 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة الغربية. كما تشير بيانات الجيش، إلى ارتفاع حاد في عدد البؤر الاستيطانية المُعرّفة كـ”بؤر استيطانية زراعية” (مزارع استيطانية)، إذ زاد عددها من نحو  30 بؤرة استيطانية قبل تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى نحو 120 بؤرة استيطانية في تموز/ يوليو 2025.

عصر البؤر الاستيطانية الزراعية – عصر العنف والترحيل

غالبًا ما يتم إنشاء البؤر الاستيطانية الزراعية (المزارع الاستيطانية)، التي تشكل جزءًا مُعتبرًا من مُجمل البؤر التي أنشأت في السنوات الأخيرة، في المناطق التي تعيش فيها التجمعات الرعوية الفلسطينية. يقطن في البؤر الاستيطانية الزراعية (المزارع الاستيطانية) عدد قليل من الناس، وأحيانًا يدور الحديث عن أسرة شابة  وعدد قليل من المتطوعين. ورغم عدد السكان المحدود، أمست البؤر الاستيطانية الزراعية (المزارع الاستيطانية) أداة رئيسية لفرض السيطرة والاستيلاء على مساحات شاسعة، من خلال رعي المواشي والأغنام، حجب الشوارع وطرق الوصول، والسيطرة على الموارد، وانتهاج العنف المُمارس ضد المجتمعات الفلسطينية بشكل متواصل.

أدى إنشاء بؤر استيطانية زراعية (مزارع استيطانية) بالقرب من المجتمعات الرعوية الفلسطينية إلى زيادة كبيرة في العنف المباشر ضدهم. يوظّف المستوطنون القادمون من البؤر الاستيطانية الزراعية قيامهم رعي قطعانهم على مساحات واسعة كوسيلة للسيطرة على الحيّز، ومنع المجتمعات الفلسطينية من الوصول إلى المراعي وتقليص المساحات المتاحة لهم. ويصاحب ذلك اعتداءات، تخريب مُمتلكات، الإعتداء على الحيوانات والمواشي، مضايقات وتهديدات صريحة من جانب المستوطنين المسلحين الذين يطالبون السكان الفلسطينيين مغادرة مكان إقامتهم ومضاربهم. يحدث هذا العنف، دون رادع تقريبًا، برعاية فشل سلطات إنفاذ القانون الإسرائيلية المتواصل والمنهجي في التحقيق مع الإسرائيليين الذين يعتدون على الفلسطينيين ومقاضاتهم. في الآن ذاته، يكثف الجيش من إنفاذ أوامر الهدم ضد التجمعات الفلسطينية، بما في ذلك هدم آبار المياه، المباني الزراعية، المباني العامة والمنازل. أدى مزيج من عنف المستوطنين والقمع المؤسسي الإسرائيلي المتواصل إلى خلق ظروف لا تُتيح للفلسطينيين أن يعيشوا بسلام ودفعت عشرات المجتمعات الرعوية الفلسطينية للتهجير القسري.

في غضون أقل من عامين، تم إفراغ نحو 100 ألف دونم من الأراضي شرق طريق ألون من السكان الفلسطينيين الذين عاشوا هناك طوال عقود. يُشير تقرير مُشترك لمُنظمتي “ييش دين” و”أطباء من أجل حقوق الإنسان”، إلى أن امتناع السلطات الإسرائيلية المنهجي عن الإنفاذ الفعّال ضد العنف الصادر عن هذه البؤر الاستيطانية، إلى جانب الآليات التي تسهل العنف ونتائجه، بل وتستفيد من نتائجه فعليًا، تُرسّخ مسؤولية إسرائيل لارتكاب جريمة حرب تتمثل في النقل القسري. وهو نمط يدّل أيضًا على مُمارسات التطهير العرقي في مناطق مُعيّنة بالضفة الغربية. بمعنى أن استخدام القوة أو غيرها من الوسائل القسرية لطرد مجموعة سكانية عرقية من منطقة مُعيّنة لتغيير التركيبة الديمُغرافية في هذه المنطقة.

وفقًا لتقرير “سلام الآن” و “كيرم نافوت”، صحيح لتموز/ يوليو 2026، تسيطر البؤر الاستيطانية الزراعية (المزارع الاستيطانية) على مساحة تزيد عن مليون دونمًا تُشكّل نحو 18% من أراضي الضفة الغربية. تقع نحو 35% من هذه الأراضي بمُلكية فلسطينية خاصة. تم إنشاء معظم البؤر الاستيطانية الزراعية (المزارع الاستيطانية) في أراضي مُعرّفة كمنطقة C، ولكن في عام 2024 بدأ المستوطنون في إنشاء بؤر استيطانية جديدة في أراضي المنطقة B أيضًا، وهي مناطق كانت خالية حتى ذلك الحين من  المستوطنات الإسرائيلية.

رغم كون البؤر الاستيطانية الزراعية مُقامة من دون موافقة رسمية وفي مخالفة للقانون، إلا أن هناك أدلة على أن بعضها على الأقل قد تم إنشاؤه بمعرفة الجيش وبالتنسيق معه. إدعى ضابط في الجيش أدلى بشهادته في تحقيق لبرنامج “زمان إيميت” (وقت الحقيقة) على هيئة الإذاعة العامة في كانون الأول/ ديسمبر 2025 أنه تم إنشاء مزارع استيطانية بموجب أوامر قائد القيادة الوسطى، آفي بلوط. وأشار تقرير في صحيفة “هآرتس” من نيسان/ أبريل 2026 إلى أن بلوط نفسه قال في مُنتدى مُغلق إنه تم إنشاء 150 بؤرة استيطانية زراعية بالتنسيق مع الجيش. حتى في الحالات التي تم فيها إنشاء البؤر الاستيطانية دون تنسيق مُسبق، من لحظة إنشائها يوّفر لها الجيش الحماية ويخصص العديد من القوات لهذا الغرض. وبالتالي، فإن البؤر الاستيطانية التي تم إنشاؤها ظاهريًا في انتهاك للقانون، تحظى عمليًا بدعم عسكري يُتيح مأسستها وترسيخها.

لعلّ إحدى أبرز الأمثلة على الدعم الذي تقدمه الدولة للتوّسع الاستيطاني عبر البؤر الاستيطانية الزراعية هو تخصيص الأراضي للرعي. في 10 شباط/ فبراير 2025، أعلنت الإدارة المدنية عن تخصيص ست قطع أراضي للمراعي في أنحاء الضفة الغربية، يبلغ مجموعها 16,121 دونمًا، وهي مساحة شاسعة تزيد عن 16 كيلومترًا مربعًا. تخصيص هذه الأراضي يوّسع إلى حدٍ كبير من سيطرة إسرائيل على المساحات المفتوحة في الضفة الغربية، ويصبّ في إطار سياسة مستمرة لنقل الأراضي لتخدم غايات ومصالح المشروع الاستيطاني.

إن شرعنة البؤر الاستيطانية غير الشرعية إلى جانب إنشاء العشرات من البؤر الاستيطانية الزراعية والمزارع الاستيطانية الجديدة وتخصيص المراعي لها حصرًا، يعزز في الواقع ضمّ الضفة الغربية من خلال توسيع الوجود الإسرائيلي وفرض حكمًا مدنيًا ثابتًا ودائمًا، مع التضييق على السكان الفلسطينيين وتهجيرهم إلى سلسلة من الجيوب المنفصلة، التي تفتقد للامتداد الجغرافي المتواصل ودون إمكانية حقيقية لتطوير أو تحقيق الحقوق الجماعية. تعكس هذه الخطوات مُجتمعة مُفاقمة وتسريع تطبيق سياسة الضمّ الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتي تتجلى في توسيع الوجود الإسرائيلي والإمعان بالسيطرة الإسرائيلية على أرض الواقع في انتهاك صريح للقانون الدولي.