موسم حصاد الزيتون هو أرض خصبة لأعمال العنف واعتداء المستوطنين على الفلسطينيين. هذا العام أيضًا، تميّز موسم حصاد الزيتون، الذي انطلق أول تشرين الأول/ أكتوبر، بسلسلة طويلة من أعمال عنف المستوطنين – اعتداء وهجوم، إزعاجات ومضايقة لقطف الزيتون، إتلاف أشجار زيتون، سرقة معدات زراعية ومحاصيل وطرد المُزارعين الفلسطينيين من أراضيهم بالقوة أو تحت طائلة التهديد.
طالت أعمال العنف والتخريب هذه جميع نواحي الضفة الغربية – من شمالها وحتى جنوبها، أراضي المنطقة C وهذه السنة أكثر من سابقاتها أيضًا في الأراضي المُعرّفة كمناطق B. حتى أنه في العديد من المناطق لم يتمكن المزارعون الفلسطينيون من جني محاصيلهم وقطف الأشجار والكروم التي يمتلكونها.
كما لمسنا هذه السنة تدخلًا أكبر بكثير من قوى الأمن الإسرائيلية التي اجتهدت لمنع قطف الزيتون. ففي مناطق واسعة النطاق منع الجيش قطف الزيتون بالمُطلق بواسطة منع الوصول لأراضي زراعية بأوامر إغلاق وحظر مُطلق على أصحاب وملاكي الأراضي من الوصول إليها والبقاء فيها لفترات مطوّلة. إلى جانب ذلك، في العديد من الحالات التي منع فيها المستوطنون من الفلسطينيين جني محاصيلهم وقطف زيتونهم بالقوة، تم ذلك بحضور جنود، عناصر شرطة حرس الحدود وعناصر أمن المستوطنات. لم يوقف الجنود، عناصر الشرطة والأمن هؤلاء المستوطنين من الاعتداء على قاطفي الزيتون الفلسطينيين، بل وفي العديد من الحالات منعوا بأنفسهم السكان الفلسطينيين من بلوغ أراضيهم وقطف زيتونهم.
وفي المناطق التي تتطلب “التنسيق” لأجل قطف الزيتون – أي الموافقة التي يوزعها الجيش على المزارعين الفلسطينيين ليتمكنوا من الوصول إلى أراضيهم وقطف أشجارهم – أعطي التنسيق بوقت متأخر جدًا من الموسم ولفترة وجيزة جدًا – ليوم أو يومين، مما لم يُعط المهلة الكافية للفلسطينيين في إتمام قطف أشجارهم وجني زيتونهم. تخصيص المواعيد بوقت متأخر من الموسم يمسّ موسم الحصاد وقطف الزيتون لأنه قد يؤدي إلى فساد الثمار ويضرّ بجودة زيت الزيتون المُستخرج منها. تُضاف إلى ذلك الحقيقة بأن حرمان أصحاب وملاكي الأراضي الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم وكرومهم حتى مرحلة متأخرة جدًا من الموسم، أتاح عمليًا للمستوطنين من البؤر الاستيطانية المجاورة سرقة ونهب محاصيل الزيتون من دون أن يكون بقدرة أصحاب الأراضي فعل أي شيء لمنع ذلك. عمليًا، تشكّل “آلية التنسيق” التي خلقها الجيش لأجل حماية الفلسطينيين من عنف المستوطنين وإتاحة موسم قطف الزيتون بشكل آمن، أداة فعّالة جدًا لمنع الفلسطينيين من قطف زيتونهم خلال الموسم منذ سنين طويلة.
مُعطيات OCHA: ثلاثة حوادث بالمُعدل في موسم حصاد الزيتون
بين الأول من تشرين الأول/ أكتوبر و30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) 178 اعتداءً للمستوطنين مرتبط بموسم قطف الزيتون، متسببين بإصابات، أضرار للممتلكات أو كليهما – بمعدل ثلاثة أحداث في اليوم. وقد شملت هذه الأحداث اعتداء على المزارعين داخل كروم الزيتون أو في طريقهم إليها، سرقة ونهب محاصيل ومعدات للقطف، إضافة إلى إتلاف أشجار زيتون وأشجار ومزروعات أخرى. تُضاف هذه المعطيات غير الاعتيادية الى معطيات موسم قطف الزيتون من العام الماضي، حينما تم توثيق 213 حالة اعتداء ومضايقة قطف الزيتون خلال شهري تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر 2024. للمقارنة فقط، حتى العام 2023 وثّقت OCHA ما بين 30 – 60 حادثة اعتداء في الموسم.
من حيث التوزيع الجغرافي، وقعت حوادث الاعتداء والعنف خلال موسم قطف الزيتون هذا العام على نطاق جغرافي أوسع مما كان عليه في السابق؛ إذ تم توثيق حوادث في 88 مدينة وبلدة وقرية فلسطينية – أي أربعة أضعاف ما سُجّل خلال موسم القطف لعام 2020، وضعفي ما سُجّل في عام 2022. كما بلغ عدد أشجار الزيتون والشتلات التي تضررت هذا العام أعلى مستوى له خلال السنوات الست الماضية، حيث جرى إتلاف أكثر من 6,000 شجرة وشتلة خلال شهري تشرين الأول–تشرين الثاني 2025، مقارنةً بنحو 3,700 شجرة خلال الفترة المقابلة من العام الماضي.
إستفحال الاعتداءات والمضايقات لقطف الزيتون يجري على خلفية رقم قياسي في أحداث عنف المستوطنين بالضفة الغربية خلال العام 2025: تشرين الأول/ أكتوبر 2025 كان أكثر الأشهر عنفًا منذ بدأت OCHA بجمع مُعطيات عام 2006. تم في هذا الشهر توثيق 264 حادثة عنف مستوطنين – 8,5 حوادث عنف بالمُعدل يوميًا. بالمُجمل، تم توثيق 1,485 حادث عنف مستوطنين في الأول من كانون الثاني/ يناير 2025 حتى آخر تشرين الأول/ أكتوبر 2025.
16-15 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، جنوب كيسان: مستوطنون قطفوا الزيتون في قطعة أرض، أتلفوا أشجار زيتون وممتلكات، وطردوا أفراد عائلة فلسطينية جاؤوا لقطف زيتونهم بالقوة
م. هو أحد سكان قرية كيسان الفلسطينية – مُحافظة بيت لحم. يملك م. قطعة أرض جنوب كيسان، مزروعة بنحو 50 شجرة زيتون عمرها نحو 40 – 45 سنة. كان م. يسكن في قطعة الأرض التي يملكها حتى آب/ أغسطس الماضي، ولكن عقب انشاء بؤرة استيطانية جديدة ومضايقات وتهديدات المستوطنين اضطر للرحيل عن بيته مع أفراد أسرته، والانتقال للسكن في منزل والديه في كيسان.
في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 خرج م. نحو أرضه ليقطف الزيتون برفقة والده وشقيقه. وقال لييش دين “عندما اقتربنا من الأرض رأينا مستوطنين كانوا يقطفون الزيتون في أرضنا يغادرون نحو البؤرة الاستيطانية الجديدة (التي أقيمت في المنطقة). كما قطع المستوطنون خراطيم ومواسير المياه، اقتحموا الجدار المُحيط بالأرض، اقتلعوا أشجار الزيتون وكسّروا غصون الأشجار التي لم تُقتلع”. وأضاف: “اتصلت بالشرطة التي أرسلت بعض الجنود الى الأرض، لكنهم لم يحضروا الا بعد مرور نحو ثلاث ساعات. أبلغتهم بما حدث، صوّروا وغادروا المكان”.
عاد م. مع أفراد العائلة والجيران الى الأرض لتصليح الأضرار التي تسب بها المستوطنين وجمع قلة ثمار الزيتون التي سقطت عن الأشجار. عندما وصلوا إلى الموقع تنبهوا لوجود 12 – 15 مستوطنًا يرافقهم جنود. قام أحد المستوطنين برعي قطيعه داخل قطعة الأرض، شتم وصرخ تجاه م. وأفراد عائلته إن هذه قطعة الأرض خاصته وأن عليهم أن يغادروا المكان.
جندي ما لاحظ أن أحد المستوطنين حاول رش غاز الفلفل على والد م. ونجح بإبعاده. مستوطن آخر حاول إيذاء أفراد عائلة م. وأبعده الجنود هو أيضًا. توّجه أحد الجنود إلى م. وأفراد أسرته وشرح لهم أنه من المفضل أن يخلوا المنطقة “لتفادي المشاكل” حسب قوله.
وأكد م. “أردنا الابتعاد عن المنطقة، لكننا انتبهنا لوجود خمس سيارات مستوطنين تدنو منا. أصبحنا مُحاطين بالمستوطنين ولذلك هربنا نحو الشارع. لاحقنا نحو 15 مستوطنًا مُلثمًا. كان أحد المستوطنين مُسلحًا ببندقية طويلة… دحرج المستوطنون صخورًا على الشارع لمنع إمكانية الهروب من الشارع. في الأخير وصلت وردية شرطة. قمنا بالتبليغ بالحدث. طلب عناصر الشرطة من الجنود إزالة الصخور من الشارع وركبنا السيارات ورجعنا الى القرية. مذ ذاك الحين نخشى الوصول إلى الأرض”.
وأكد م. لييش دين أنه غير معنيّ بتقديم شكوى في الشرطة الإسرائيلية لأنه يخشى المخاطرة.
28 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، شمال – غرب الساوية: مستوطنون يطردون بعنف أفراد أسرة جاؤوا لقطاف زيتونهم بالتنسيق وسرقوا معدات
م. هو أحد سكان قرية الساوية في محافظة نابلس. يملك قطعة أرض شمال شرق القرية مزروعة بأشجار زيتون بعمر 70 سنة. قبل نصف سنة أنشأت بؤرة استيطانية جديدة على مسافة نحو 100 متر شرق القطعة. للوصول إلى قطعة الأرض يجب التنسيق مع الجيش ويُسمح بالوصول إليها مرتين بالسنة – في موسم حراثة الأرض وموسم الحصاد (قطف الثمار) فقط – لأن المستوطنة أنشأت بمسافة قريبة بالكاد تبلغ كيلومتر واحد عن الأرض.
أعلن المجلس المحلي يوم الاثنين الموافق 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 للسكان أنه تم تحصيل تنسيق لأجل قطف الزيتون في المنطقة باليوم التالي. في صباح اليوم التالي خرج م. نحو قطعة الأرض برفقة والده، عمه وعملته لقطف ثمار الزيتون. قاموا بركن جرارهم قرب الحاجز الذي يمنع الدخول الى الأرض، ودخلوا سيرًا على الأقدام حاملين معداتهم. باشروا العمل نحو الساعة 8:00 صباحًا مع مزارعين آخرين.
نحو الساعة 9:00 وصل ثلاثة مستوطنين إلى قطعة الأرض، أحدهم مسلحًا ببندقية، الآخر معه كلب والثالث كان يحمل بيده غاز الفلفل. “ما إن دخلوا دفع أحدهم عمتي وسقطت أرضًا”، حسبما قال م. لييش دين، وتابع “صرخ المستوطنون تجاهنا مطالبين بأن نرحل عن الأرض. حاولنا جمع معداتنا، ولكنهم دفعوا عمي أيضًا ولم يسمحوا لنا بأخذ المعدات. وقاموا بدلق وإلقاء ثمار الزيتون التي كنا قد قطفناها، على الأرض”.
“بعد أن خرجنا قام المستوطنون بطرد عائلات أخرى من الأراضي المُحيطة، بين 30 – 40 مزارعًا آخرين. لاحقونا حتى وصلنا الحاجز. المُعدات التي سرقوها: سُلم، منشار، ثلاث فلّات، والطعام الذي أحضرناه معنا”.
كان التنسيق ليومين. وفي التالي حاول م. وأفراد أسرته العودة لمواصلة العمل في الأرض وقطف الزيتون، لكن المستوطنين وصلوا إلى المكان من جديد ولم يسمحوا لهم بقطف الزيتون. لم يقدم م. شكوى للشرطة الإسرائيلية خشية أن ينتقموا منه.
1 تشرين الثاني/ نوفبمر 2025، جنوب بورين: رجل الأمن في المستوطنة المجاورة يطرد قاطفي زيتون وصلوا للقطف بتنسيق وقام بإلقاء زيتونهم
ب. هو من سكان بورين الواقعة في منطقة نابلس، ويملك عدة قطع أراضي في محيط القرية. إحدى هذه القطع تقع جنوب بورين ومزروعة بنحو 80 شجرة زيتون عمرها 50 سنة. حتى السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 كان بوسع ب. وأفراد أسرته أن يصلوا الأرض بحرية.
يوم الجمعة الموافق 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 أبلغ المجلس المحلي السكان بأن المنطقة التي تقع فيها قطعة أرض ب. تحتاج التنسيق لأجل قطاف الزيتون في اليوم التالي. “خرجت مع ابني صباحًا وأخذت معي عاملًا أيضًا، واتجهنا نحو الأرض”، أكد ب. في حديثه لييش دين، “ركنت الجرار في موقع بعيد، اجتزت شارع رقم 60، ودخلت قطعة الأرض نحو الساعة 7:30 صباحًا. باشرنا بالعمل وقد جاء المزيد من المزارعين. بعد نحو نصف ساعة تقريبًا، وصلت سيارة جيب عسكرية ودباب تابع لرجل أمن مستوطنة يتسهار، وسيارة تندر بيضاء تقل مستوطنًا بزي عسكري”.
باشر المستوطنون بطرد المزارعين من الأراضي. أمروا المزارعين بالخروج باتجاه الشارع وتبعهم رجل أمن المستوطنة. وقال ب. “رجل الأمن من مستوطنة يتسهار الذي نعرفه باسم ‘يعقوب’ دنا منا وباشر بالصراخ: ‘أنا أقرر، لا تنسيق، إرحلوا’. بعدما رأى أننا نأخذ الفلّ، قام بإلقاء ورمي ثمار الزيتون التي كانت عليها وكذلك شوالات وأكياس الزيتون الذي جمعناه، ونحن جمعنا الفلّ ورحلنا من شدة الخوف. تبعنا مشيًا على الأقدام حتى اجتزنا شارع 60. رجع إلى الأرض وجاء الى ثمار الزيتون التي ألقاها، وباشر بتمريغها بالأرض وتوزيعها بين الأشجار بقدميه. شاهدت كل شيء من الجانب الشمالي للشارع. جمع الأكياس والشوالات الفارغة وعاد بها الى الدباب، وسافر مع سيارة الجيب والتندر متوجهًا نحو يتسهار”.
رجع ب. وابنه والعامل الذي كان معهم الى البيت، ولم يرجعوا الى قطعة الأرض مذ ذاك الحين. وأكد ب. لييش دين أنه لا يرى أي طائلة في الاشتكاء للشرطة الإسرائيلية، اذ تواجد الجيش في المنطقة، شاهد كل ما جرى ولم يحرّك ساكنًا.



