منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، تقوم “ييش دين” بتوثيق الجرائم التي يرتكبها المدنيون الإسرائيليون – المستوطنون وغيرهم – في الأراضي المحتلة ضد الفلسطينيين أو ممتلكاتهم، وتساعد ضحايا الجريمة على تقديم شكاوى إلى الشرطة الإسرائيلية إذا ما رغبوا في ذلك. تُشكل المُعطيات المتراكمة في هذه الملفات على مرّ السنين عيّنة واسعة النطاق وفريدة من نوعها، تُتيح تحليل الطريقة التي تُعالج فيها شرطة إسرائيل قضايا العنف على خلفية أيديولوجية للمواطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية.
لجرائم الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية معنى فريد لكونها تُرتكب في إطار نظام من الهيمنة والاضطهاد من قبل مجموعة قومية ضد أخرى. الجناة هم مواطنون في دولة إسرائيل يتمتعون بحقوق زائدة وحماية الجيش، في حين أن الضحايا فلسطينيون يعانون من تمييز منهجي في الحقوق والموارد ويعيشون تحت نظام قمعي فُرض عليهم.
ومن خلال أعمال العنف، يسعى المستوطنون إلى توسيع نطاق الاستيلاء الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية زارعين الرعب والخوف وسط تعطيل لمسار حياة الفلسطينيين اليوميّ. وبهذه الطريقة، تضاف الجرائم التي يرتكبها مواطنون عاديون إلى العنف الأيديولوجي المنهجي، بهدف طرد الفلسطينيين من أراضيهم.
تحليل مُعطيات ييش دين يُثبت أن جهاز تطبيق وإنفاذ القانون الإسرائيلي يفشل بالايفاء في واجبه لحماية الفلسطينيين في الضفة الغربية من عنف الإسرائيليين. وينعكس هذا الاخفاق في جميع مراحل التعامل مع المخالفات على خلفية أيديولوجية من قبل مواطنين إسرائيليين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية: الوقاية معدومة التأثير، تحقيقات شرطية فاشلة، إنخفاض معدل تقديم لوائح الاتهام والعقاب المتساهل مع الجناة المُدانين.
تواصل الفشل النظاميّ المنهجي لما لا يقل عن عقدين يدلّ على أنها سياسة متعمدة تنتهجها دولة إسرائيل، التي تعمد إلى تطبيع عنف المستوطنين على خلفية أيديولوجية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتدعمه وتستفيد من عواقبه.
تُغلق 93.7 % من مجمل ملفات التحقيق إثر اكتمال التحقيق فيها دون توجيه لائحة اتهام
منذ عام 2005، تتابع ييش دين 1,664 ملف تحقيق تم فتحها في أعقاب عنف المدنيين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية (لا يشمل القدس الشرقية). من أصل 1,615 ملف تحقيق مكتمل، تم توجيه لائحة اتهام فقط في 107 ملفات (6,6%). تحليل الظروف التي أغلقت فيها ملفات التحقيق يُشير إلى أن الشرطة الإسرائيلية فشلت بالتحقيق في 81% من ملفات التحقيق المفتوحة منذ العام 2005. يُشير ارتفاع معدل الفشل إلى فشل منهجي مستمر ومُتعمد من قبل سلطات تطبيق وانفاذ القانون في معالجة الجنوح على خلفية أيديولوجية تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية.
%3 فقط من ملفات التحقيق أفضت إلى إدانة
حتى أيلول/ سبتمبر 2023، في 93 ملفًا ترصدها ييش دين، المعنيّة بجرائم ومخالفات مواطنين اسرائيليين ضد فلسطينيين في الضفة الغربية، أودى تحقيق الشرطة إلى تقديم لائحة اتهام خلصت إلى نتيجة معروفة ويمكن تقديم معلومات عنها. أفضت فقط 54% من لوائح الاتهام (50 ملفًا) إلى إدانة تامة أو جزئية للمتهمين بارتكاب الجريمة. أفضلت 54% من الإجراءات (43 ملفًا) إلى لا شيء، بعدما حددت الشرطة ذنب المشتبهين لكنها امتنعت عن إدانتهم بالفعل الاجرامي أو عقب إلغاء أو شطب لائحة الاتهام.
بالمجمل، مُنذ العام 2005، أفضت فقط 3% من ملفات التحقيق التي ترصدها ييش دين، وافتتحت إزاء مخالفات وجرائم ارتكبها إسرائيليين ضد فلسطينيين بالضفة الغربية على خلفية أيديولوجية إلى إدانة تامة أو جزئية. يبعث هذا المعدل المنخفض برسالة مفادها أن جهاز تطبيق وإنفاذ القانون بأكمله لا يتعامل مع عنف المستوطنين بجدية ويسهم في الشعور بحصانة الجناة واستنساخ أفعالهم.
عدم الثقة بالسلطات الإسرائيلية
بالإضافة إلى ملفات التحقيق التي ترصدها وتتابعها المنظمة، وثقت ييش دين على مر السنين مئات الحوادث الإضافية لعنف المستوطنين، والتي اختار فيها ضحايا الجريمة الفلسطينيون عدم تقديم شكوى إلى الشرطة، وعمومًا فإن الشرطة لم تحقق أصلًا في هذه الجرائم. يتضح من مُعطيات ييش دين أنه منذ تنصيب الحكومة الإسرائيلية الـ37، يرفض عدد متزايد من الفلسطينيين تقديم شكوى للشرطة ضد الإسرائيليين الذين اعتدوا عليهم.
من بين 160 حالة وثّقت فيها ييش دين اعتداء المستوطنين على الفلسطينيين أو ممتلكاتهم بين كانون الثاني/ يناير 2023 وأيلول/ سبتمبر 2023، اختار 92 من ضحايا الجريمة (57,5%) عدم تقديم شكوى إلى الشرطة. من بين هؤلاء، أعرب 86 (54%) عن عدم ثقتهم في السلطات القانونية الإسرائيلية أو خشيتهم من أن تضرهم الشكوى أو تؤدي إلى سحب تصريحهم. وتشهد هذه الأرقام على عدم كفاءة سلطات تطبيق القانون الإسرائيلية في الضفة الغربية التي لا تحقق في جميع حوادث عنف المستوطنين ولا تفعل شيئًا للتعامل مع عدم ثقة الفلسطينيين بالجهاز الذي يُفترض أن يحميهم من العنف.



