أدت الحرب الإسرائيلية على غزة لدرجات غير مسبوقة من الدمار والقتل، وتعتبر من الحروبات الأكثر كارثية في العالم خلال القرن ال-21. صانعي القرارات الإسرائيليين في الحكومة والجيش، والمسؤولين بشكل مباشر عن سياسة القوة الإسرائيلية، قاموا بتوسيع دائرة أيذاء المدنيين الأبرياء والمباني المدنية. حتى الآن قُتل عشرات الآلاف من المواطنين وتم تدمير وهدم مباني أساسية للحياة المدنية في غزة، بينما يتفشى الجوع بين مئات آلاف النازحين.
تتميز الحرب الإسرائيلية على غزة بالقصف الشديد، الهدم الممنهج للبنى التحتية المدنية وحتى التجويع. أدى هذا للنقد اللاذع تجاه إسرائيل وللادعاء بأن قوات الأمن الإسرائيلي تعمل خلافاً للقانون الإنساني الدولي (قوانين القتال). من جهة أخرى، تدعي إسرائيل انها تعمل حسب قوانين القتال وأنها تملي بتعهدها بالتحقيق في الشبهات بالقيام بجرائم حرب. يفحص هذا التقرير إن كان جهاز فرض القانون في إسرائيل جاهزاً لفحص الشبهات بخرق قوانين القتال خلال الحرب على غزة بشكل لائق، وإن كانت معنية بذلك.
أعلن الجيش في أيار 2024 انه تم فتح عشرات ملفات التحقيق بشأن أحداث يوجد بها شك بتنفيذ الجنود للمخالفات أثناء القتال. بالإضافة، أعلن الجيش انه تم نقل مئات الحالات الأخرى التي حصلت خلال القتال الى “جهاز القيادة العامة لفحص الحالات الاستثنائية”، وهو جهاز هدفه تنفيذ فحص أولي سريع للشبهات بخرق قوانين القتال ومساعدة النيابة بالقرار بفتح ملف تحقيق جنائي أم لا.
على ما يبدو، لا يمكننا أن نتوقع كيف سيعمل جهاز فرض القانون الإسرائيلي أمام العدد الضخم من الشبهات بهذه الجدية. مع ذلك، يظهر من متابعة “ييش دين” لعمل جهاز فرض القانون العسكري بشأن العدوان العسكري “الجرف الصامد”، عملية قمع مسيرات العودة والعدوان العسكري “حارس الجدران” الذين حدثوا في غزة في العقد الأخير، أن جهاز فرض القانون الإسرائيلي أثبت انه غير معني بالتحقيق اللائق بالشبهات بتنفيذ جرائم الحرب، وبالتأكيد ليس بالتحقيق في سياسات إدارة القتال الخاصة بها.
نرى من نتائج عمل جهاز فرض القانون في إسرائيل في العقد الأخير أن جهاز فرض القانون الإسرائيلي قليلاً ما يقوم بفتح ملفات التحقيق ضد الجنود في رتب منخفضة ويمتنع بشكل تام عن التحقيق مع صانعي القرارات في الرتب الأعلى. عمل جهاز القيادة العامة والذي تُنقل اليه غالبية الشكاوى المتعلقة بشبهات بخرق القانون الدولي، تتميز بالمطاولة والتي تخرج أحياناً عن جميع الإطارات الزمنية التي وضعها الجيش بنفسه. مثلاً، في عام 2022 كان الجهاز ما زال يفحص حالات تم نقلها لفحصه عام 2014، بينما أنه من المفروض ان يقوم الجهاز بالقيام بفحص الوقائع السريع خلال أسابيع قليلة قبل قرار النيابة العسكرية بفتح ملف تحقيق أم لا. إن المماطلة الشديدة هذه في الأوقات تعني ان المماطلة والامتناع عن التحقيق الجدي والناجع في حالات تعلو منها شبهات بخرق القانون الدولي، هي مصلحة إسرائيلية.
على حد علم “ييش دين”، من بين جميع الشكاوى التي تم نقلها للجيش بشأن ثلاثة أحداث عسكرية مهمّة في غزة، على الأقل 664 شكوى نُقلت لفحص جهاز القيادة العسكرية. 542 (81.6%) من هذه الحالات أغلقت دون البدء بالتحقيق الجنائي. فقط 41 حالة (6%) أدت لفتح ملف تحقيق جنائي (19 تحقيق) بعد فحص جهاز القيادة العامة. حتى كتابة هذه السطور، يتلخّص عمل الجهاز على طول تقريباً عقد بشأن ثلاثة عمليات عسكرية في قطاع غزة، وصل تحقيق واحد لتقديم لائحة اتهام، ’أي انه فقط 0.17% من الحالات التي قام الجهاز بفحصها ونتيجتها معروفة (573) أدت للمحاكمة. ما حدث فعلياً هو انه من مئات الأحداث التي تصدر منها الشبهات بخرق القانون الدولي، عدوانين عسكريين وحملة لقمع المظاهرات أدوا لتقديم ثلاث لوائح اتهام فقط، اثنان منهما تم فتحهم دون تدخل الجهاز.
يظهر من تحليل “ييش دين” لعمل جهاز فرض القانون الإسرائيلي وخصوصاً عمل جهاز القيادة العامة انه يتم الرد على الشبهات بتنفيذ جرائم الحرب على النحو التالي في إسرائيل:
- الإمتناع عن التحقيق مع صانعي القرارات والسياسات أصحاب الرتب العالية في الحكومة والجيش والنيابة العسكرية المسؤولين عن وضع سياسة استعمال القوة. لا ينتقد جهاز فرض القانون هؤلاء.
- الإمتناع عن الفحص اللائق والناجع يماطل الجهاز عمله ويتم إغلاق غالبية الملفات التي يفحصها دون القرار بفتح ملف تحقيق جنائي
- إعطاء الحصانة التامة تقريباً للضباط والجنود الذين يؤذون الفلسطينيين: تقريباً صفر لوائح اتهام مقارنة بعدد الشكاوى المتعلقة بمخالفات الجنود والضباط، وفي الحالات النادرة التي تتم بها الإدانة يكون الحكم طفيفاً وحتى سخيفاً مقارنة بالتهمة.
يصدر من المعطيات المعروضة في التقرير الشك الكبير بأن الوظيفة الفعلية لجهاز فرض القانون العسكري، وخصوصاً جهاز القيادة العامة، هو الحفاظ على مظهرية لجهاز يعمل بهدف التهرّب من التحقيق اللائق بالشبهات بتنفيذ جرائم الحرب. هذه نفس المظهرية التي تستعملها إسرائيل كي تدعي ضد تدخّل أجهزة فرض القانون الدولية ولرفض النقد الخارجي. على ضوء الوضع الحالي، هنالك شك كبير بالنسبة لقدرة أو رغبة دولة إسرائيل بالقيام بالتحقيق اللائق والجدي بالنسبة للشبهات بخرق قوانين القتال خلال الحرب على غزة.



