كان من المفترض أن ينطلق موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية منتصف تشرين الأول/ أكتوبر 2023. إلا أن الحرب في غزة التي انطلقت في 7 تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم، أدت إلى موجة غير مسبوقة من عنف المستوطنين الإسرائيليين علاوة على العنف وتقييد الوصول من الجيش الإسرائيلي، مما مسّ بشكل كبير بقدرة العديد من الفلسطينيين على قطف زيتونهم.

قطف الزيتون هو رمز وطني وثقافي، وهو مصدر رزق مهم لقسم كبير من الفلسطينيين في الضفة الغربية، الذين يعتمدون عليه لكسب الرزق. في كل عام، يصاحب موسم قطف الزيتون موجة متزايدة من عنف المستوطنين، تشمل حالات اعتداءات على قاطفي الزيتون، والمسّ والاعتداء على أشجار الزيتون، وسرقة المحاصيل والمعدات الزراعية. في كثير من هذه الأحداث يكون الجنود حاضرين أيضًا، ولا يؤدون واجبهم في حماية القاطفين الفلسطينيين، بل وأحيانًا ينضمون إلى المُعتدين.

في السنوات الأخيرة، زاد تعلّق واعتماد قسم من المزارعين الفلسطينيين على المحصول من الزيتون. يرجع ذلك، من بين أمور أخرى، إلى “آلية التنسيق” التي فرضها الجيش على أصحاب الأراضي، والتي تمنع الفلسطينيين من بلوغ أراضيهم الخاصة المتاخمة للمستوطنات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية خلال السنة. يسمح الجيش بالوصول إلى هذه الأراضي الخاصة مرتين بالسنة فقط ولأيام معدودة في كل مرة، لغرض حرث التربة في الربيع ولحصاد ثمار الزيتون من الأشجار في الخريف. في هذه الأيام، من المفترض أن يرافق الجنود المزارعين الفلسطينيين ويحموهم من اعتداءات المستوطنين.

في أعقاب “آلية التنسيق” وتقييدات الحركة والوصول التي لا تُتيح رعاية زراعية متواصلة للأشجار، اضطر العديد من مُلاك الأراضي إلى التخلي عن المحاصيل التي تتطلب الكثير من العناية الزراعية والاعتماد على زراعة الزيتون، الذي لا يتطلب عناية زراعية مكثفة ومتواصلة.

بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر: عنف انتقاميّ في قطف الزيتون

وثّقت مؤسسة ييش دين خلال شهري تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر 2023، 113 حادثة عنف تتعلق بموسم الحصاد أو منع الحصاد من قبل المستوطنين والجنود. لا تعكس هذه الأرقام جميع حوادث العنف المُمارسة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية خلال هذه الفترة، ولا حتى جميع الأحداث التي وثقتها ييش دين، وإنما فقط البيانات المتعلقة بحصاد الزيتون التي وثقتها ييش دين.

61 من أحداث العنف خلال قطف الزيتون نفذها المستوطنون وحدهم وشملت الاعتداء على القاطفين، طردهم، سرقة معدات زراعية ومحاصيل الزيتون، قطع الأشجار وغير ذلك. في 32 حدًا آخر، تواجد في المكان جنود تعاونوا مع المستوطنين في حالات شملت الاعتداء، السرقة، الطرد ومنع القطف. 20 حدثًا آخر نفذهم الجنود وحدهم، شملت الطرد من الأراضي الزراعية ومنع القطف، تهديدات ومصادرة معدات زراعية. في العديد من المناطق، منع الجيش أيضًا قطف الزيتون في أراضي ليست جزءًا “آلية التنسيق” ولا تقع قرب المستوطنات أو البؤر الاستيطانية.

توثيق باحث ييش دين لمستوطنين وهم يسرقون محصول الزيتون في أراضي بورين, قريب لمستوطنة يتسهار في تاريخ 27.10.2023:

وهكذا، في ما يقرب من نصف الأحداث (46 %)، تواجد أفراد قوات الأمن الإسرائيلية وقت وقوع الحادث، ولكن بدلاً من حماية القاطفين الفلسطينيين كما يقتضي واجبهم، قاموا بطرد المزارعين ومنعهم من قطف الزيتون. في بعض الأحيان انضم الجنود إلى المستوطنين واعتدوا الفلسطينيين بعنف.

في عدد من الحوادث المُوثقة، لم يكن الجنود يرتدون الزي العسكري الكامل وفي كثير من الأحيان لم ينتعلوا أحذية عسكرية. على ما يبدو، هؤلاء هم المستوطنون الذين تم تجنيدهم لفرق الاستجابة الأولية التابعة للمستوطنات والبؤر الاستيطانية بعد اندلاع الحرب. قرر هؤلاء الجنود – المستوطنون إساءة استخدام السلطة والسلاح الذي منحتهم إياه الدولة، وبدلًا من العمل لأجل حماية مكان إقامتهم، اعتدوا بعنف على المزارعين الفلسطينيين الأبرياء. أكد عدد من ضحايا الجريمة الفلسطينيين الذين توجهوا إلى ييش دين أنهم تمكنوا من التعرف على مرتدي الزي العسكريّ كمستوطنين يعرفونهم.

هذا ما قاله ن. أ.، 38 عامًا، من قرية قواويس من تلال الخليل الجنوبية، لييش دين:

يوم الأحد الموافق 29.10.2023 في الساعة 16:00 مساءً، كنتُ أنا ووالدي وثلاثة إخوتي في الأرض وكنا نقطف الزيتون. فجأة رأينا ثلاثة مستوطنين يقتربون منا مع قطيع من نحو 40 رأس ماشية وحمار وكلب. وكان اثنان من المستوطنين مسلحين وملثمين فيما كان الثالث يحمل عصا. توقفوا في أرض جارنا وكسّروا الأشجار هناك. كان قطيعهم يرعى بين الأشجار داخل قطعة الأرض. اقترب المستوطنان المسلحان من منزل والدي الواقع بالقرب من الأرض وأرعبوا النساء والأطفال. ثم اقتربوا منا وبدأوا بتهديدنا بالعبرية. فقط واحد من إخوتي يفهم اللغة العبرية. أمرونا بالتوقف عن العمل والجلوس على الأرض. في كل مرة حاولنا النهوض ومواصلة العمل، هددونا تحت طائلة السلاح. اعتقدت أنهم ينوون قتلنا. لاحقًا، ظهر أربعة جنود قدموا سيرًا على الأقدام. أعرف أحد الجنود. وهو ابن مستوطن يعيش في متسبيه يائير. نحن نعرف عائلته جيدًا. إنهم عنيفون بشكل خاص وسبق أن أخبرونا بالماضي أن هدفهم هو قتل العرب. كنا نظن أنه ربما يأتي الجنود لمساعدتنا لكنهم هددونا أيضًا ولم يسمحوا لنا بقطف الزيتون. هاجم أحد الجنود والدي العجوز والمريض وضربه على صدره فسقط وأصيب بكدمات. كما هاجم الجندي، ابن المستوطن المعروف، أخي الذي سقط أرضًا. كُسر إصبع أخي وأصيب بنزيف. ثم قاموا بتقييدنا، وعصبوا أعيننا وصرخوا علينا: “أسكت! أسكت!”. طلبوا أن نستلقي على بطوننا. حاولنا أن نوضح لهمم أننا نقطف الزيتون في أرضنا، لكن هذا لم يمنع التنكيل.

شكّل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر أيضًا نقطة انطلاق حملة تحريض ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية ركزت على المزارعين ومنع قطف الزيتون، وسط دعوات للانتقام وإيذاء الأبرياء. وقد انتشرت على نطاق واسع في العديد من المجموعات الإسرائيلية على شبكات التواصل الاجتماعي معلومات كاذبة تفيد بأن نية القاطفين الفلسطينيين الاعتداء على وإيذاء المستوطنين. كما انتشرت في المجموعات دعوات لوقف القطاف، بعضها تضمن نقاط معالم موقع مشاهدة المزارعين الفلسطينيين وهم يقطفون أشجارهم.

استجاب الإسرائيليون لهذه الدعوات وألحقوا الأذى عن سبق قصد وتخطيط بناس كانت خطيئتهم الوحيدة هي قطف أشجار الزيتون الخاصة بهم. ووقعت الحالة الأكثر خطورة في 28.10.2023، عندما أطلق مستوطن، اتضح أنه جندي في إجازة، النار وأردى بلال صالح قتيلًا، وهو أب لأربعة أطفال من الساوية. كان بلال يعمل على قطف الزيتون مع عائلته وأطفاله في أراضيه، أمر لم يكن يتطلب أي تنسيق عسكري مُسبق. إعتُقل المستوطن الذي قتل بلال وأطلق سراحه بعد خمسة أيام.

رسالة نُشرت في مجموعة “نقاتل لأجل الحياة”، تشرين الأول/ أكتوبر 2023

نشر في مجموعة “أخبار هجفاعوت 4” يوم 26.10.2023

ملخص المُعطيات لموسم حصاد الزيتون لعام 2023

تتميّز 113 أحداث الحصاد وقطف الزيتون التي وثقتها ييش دين بأنواع مختلفة من العنف ضد القاطفين الفلسطينيين. بعض الأحداث تشمل أكثر من نوع واحد.

  • في 42 حادثة، هاجم المستوطنون أو الجنود القاطفين الفلسطينيين جسديًا، الذين اضطروا إلى إيقاف عملهم.
  • في 11 حادثة، أُطلقت الذخيرة الحية نحو القاطفين الفلسطينيين.
  • في 54 حادثة، هدد المستوطنون أو الجنود قاطفي الزيتون الفلسطينيين تحت طائلة السلاح أو بتهديدات لفظية ومنعوهم من قطف محاصيلهم.
  • في 29 حدثًا، تم توثيق الأضرار التي لحقت بأشجار الزيتون – قطع الأشجار بالكامل أو جزئيًا، إلحاق الضرر بالأشجار أو إحراقها. تم إتلاف ما لا يقل عن 715 شجرة زيتون.
  • في 15 حدثًا سرق المستوطنون أو الجنود محصول الزيتون.
  • في 6 أحداث استولى المستوطنون على أراضي زراعية فلسطينية ومنعوا الفلسطينيين من الوصول إليها.
  • في 4 أحداث سُدت الطُرق الزراعية ومُنع القاطفون الفلسطينيون من الوصول إلى الأراضي.

وقال م. ن.، 37 عامًا، من قرية مادما الواقعة قرب نابلس، لمنظمة ييش دين:

يوم السبت الموافق 11.11.23 خرجت صباحًا مع والدي وزوجته، أولادي، شقيقي وأولاده، لقطف أشجار الزيتون في قطعة أرض تقع على بُعد نحو 30 مترًا جنوب طرف القرية. نصل إلى هذه القطعة دون الحاجة إلى التنسيق. في الساعة 10:00-9:30 نزل ثلاثة جنود من اتجاه التل أسفل يتسهار. وصلوا بالتندر، ركنوا سيارتهم أعلى التل وترجلوا منها لينزلوا نحونا. طلبت على الفور من والدي وزوجتي وأولادي أن يبتعدوا. بقيت أنا وأخي لجمع المعدات وابتعدنا إلى ساحة المنزل الأقرب إلى قطعة الأرض. طاردنا الجنود الثلاثة ولحقوا بنا إلى ساحة المنزل. دون أن ينبسوا ببنت شفة، سلبوني أنا وأخي الهواتف وبطاقات الهوية، وأرجعوها بعد فترة وجيزة. لم نتبادل الكلام. صوّب أحد الثلاثة البندقية نحونا وأخذ الاثنان الآخران مذراة الزيتون والبطارية، وصعدا إلى الشاحنة.

تلخيص

تأثر موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية عام 2023 بشكل كبير بالحرب في غزة. كان عنف المستوطنين ضد قاطفي الزيتون الفلسطينيين شديدًا ومُنظمًا، وبدلًا من أن يحمي الجنود المزارعين الفلسطينيين، ساعدوا المُعتدين ومنعوا الكثير من الفلسطينيين من جني محاصيلهم، حتى في الأراضي غير المشمولة في “آلية التنسيق”.

تبرز بيانات هذا العام أيضًا لخطورتها مقارنة بما تم توثيقه خلال السنوات الماضية. كما ذكرنا، وثقت ييش دين 93 حادثة عنف للمستوطنين تتعلق بموسم قطف الزيتون هذا العام (و 20 حادثة أخرى لم يكن فيها سوى الجنود حاضرين). خلال موسم قطف الزيتون لعام 2022، وثقت ييش دين 38 حادثة عنف للمستوطنين ضد الفلسطينيين؛ وفي كل من عامي 2020 و2021، وثقت ييش دين 42 حادثة؛ وفي عام 2019 وُثقت 28 حادثة. أي أنه في عام 2023 كان حجم العنف أثناء موسم قطف الزيتون أكبر مرتين إلى ثلاث مرات مما كان عليه في السنوات الأخيرة.

وفي هذا العام أيضًا، فشلت السلطات الإسرائيلية في الضفة الغربية بتأدية واجبها، إهمالًا منها أو عن سبق قصد واصرار، ولم تمنع مواطنين اسرائيليين من الاعتداء على قاطفي الزيتون الفلسطينيين وممتلكاتهم. بالإضافة إلى ذلك، شارك الجنود بشكل منهجي ومخالف للسياسة التي وضعها الجيش نفسه، في الاعتداء المباشر على المزارعين الفلسطينيين وتهديدهم وحرمانهم من الوصول إلى أراضيهم.