مع تشكيل الحكومة تم تعديل قانون أساس الحكومة (تعديل رقم 11) ليُفسح المجال لوجود أكثر من وزير واحد في وزارة حكومية، وتم تعيين بتسلئيل سموطريتش وزيرًا للمالية ووزير ثانٍ في وزارة الأمن. في 23 شباط/ فبراير 2023 تم التوقيع على مُذكرة تفاهمات وتقاسم المسؤوليات والصلاحيات بين وزير الأمن في حينه يوآف غالانت وسموطريتش، والتي سعت للايفاء بالتزام الئتلافي وتنظيم سيطرة سموطريتش على غالبية المجالات المدنية التي تؤثر على الحياة اليومية في الضفة الغربية.

تُفتتح إتفاقية تقاسم الصلاحيات بالإعلان القائل إن الاتفاقية لا تغيّر المكانة القانونية للضفة الغربية، أو القوانين السارية فيها. إلا أن الوثيقة ومُلحقاتها تُفصّل إنقلابًا فعليًا في هيكلية ومبنى الحُكم بالضفة الغربية، مما يُشكّل خطوة مركزية في عملية ضمّها. عمليًا، تُقسّم الاتفاقية السيطرة على الأراضي المُحتلة بين وزير الأمن، الذي بقي مسؤولًا بالأساس عن الشؤون الأمنية والعملياتية، وبين الوزير الثاني، الذي تلقى المسؤولية عن نشاط منسّق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق (بالتالي: المُنسّق) والإدارة المدنية في المجالات المُعرّفة كمجالات مدنية. ويدور الحديث من بين جُملة من الأمور، بصلاحيات التخطيط والبناء، تسجيل الأراضي وأراضي المُلك العام (أراضي دولة)، البُنى التحتية والخدمات المدنية، المحميات الطبيعية، وسياسة الإنفاذ في مجالات البناء والأراضي.

ولهذا الغرض، أنشأت في وزارة الأمن مُديرية الاستيطان (التي يُطلق عليها المستوطنون اسم “مُديرية التسوية”)، التي أوكلت لها مسؤولية إدارة وتوجيه مُنسّق أعمال الحكومة الإسرائيلية والإدارة المدنية والنهوض بتسوية مكانة وتنظيم البؤر الاستيطانية والمُستوطنات. جدير بالذكر أن الاتفاقية تُصنّف بعض المجالات التي تُعنى بحياة الفلسطينيين كشؤون أمنية، رغم أن المجالات الموازية المعنية بالمُستوطنين صُنفت مدنية. فعلى سبيل المثال، تعريفة المياه للمُجتمع الفلسطيني عُرفت كمجال أمني يحتفظ وزير الأمن بصلاحية تحديدها.

الإدارة المدنية هي جُزء من منظومة الحُكم العسكري في الضفة الغربية، وهي مُخوّلة من قبل الجيش بإدارة الجوانب المدنية للسيطرة على الأراضي، بموجب القانون الساري في حالة احتلال. تحويل المسؤولية عن الإدارة المدنية إلى سموطريتش أخضعت جزءًا مركزيًا من هذه المنظومة لوزير سياسي جدًا يعلن أن سياسته صراحة هي النهوض بالمستوطنات ومصالح المستوطنين الإسرائيليين. وبالتالي فإن نقل مركز الثقل في إدارة الأراضي المُحتلة من القائد العسكري إلى السلك المدني السياسي في الحكومة الإسرائيلية، في خلاف الإطار القضائي الذي تحدده أحكام وقوانين الاحتلال، وعلى رأسها أحكام لاهاي، والتي تُحدد أن القائد العسكري هو من يملك الصلاحية ويتحمل مسؤولية إدارة الأراضي المُحتلة. الحُكم العسكري، الذي يُفترض أن يكون مؤقتًا بقي كغلاف رسمي فقط يهدف لإخفاء حقيقة كون الإدارة الميدانية قد استبدلت عمليًا بإدارة مدنية سياسية من جهة الدولة القائمة بالاحتلال. إنها خطوة أساسية في ضمّ الضفة الغربية.

في المُقابل، خلقت الاتفاقية منصب جديد عبارة عن نائب رئيس مدني إلى جانب رئيس الإدارة المدنية (وهو ضابط بالجيش). رغم أن النائب يخضع على صعيد تسلسل القيادة لرئيس الإدارة المدنية، إلا أنه يخضع من الناحية المهنية لرئيس مُديرية الاستيطان، وهو مسؤول عن الموظفين والوحدات التي تُعنى في المجالات الواقعة تحت مسؤولية الوزير الثاني في وزارة الأمن – سموطريتش.  كما قيّدت اتفاقية توزيع وتقاسم الصلاحيات قدرة وزير الأمن على التدخل في القرارات بواسطة أوامر مُباشرة للإدارة المدنية، ونقلت الاستشارة القضائية في مجالات عمل نائب الرئيس المدني من النيابة العسكرية إلى إطار مدني يخضع لسلطة الوزير.

بموجب الاتفاقية، يتولى الوزير الثاني في وزارة الأمن مسؤولية التعيينات، الميزانية والقوى البشرية العاملة في الإدارة المدنية. كما أنه مسؤول عن العطاءات والمناقصات والغلاف التنظيمي للوحدات الخاضعة لنائب الرئيس المدني، والتعيينات في المناصب المدنية بالإدارة المدنية. تمنح هذه الصلاحيات سموطريتش القدرة على تصميم الآلية، تحديد سُلم أولوياتها، وضم القوى البشرية والميزانيات للنهوض بسياسته وترقيتها. وللحفاظ على شكلية استمرار الحُكم العسكري وطمس واقع الإجراء القائم على الضمّ، تم تذويت هذه الصلاحيات رسميًا داخل الجهاز العسكري. أي أنها بقيت بيدي الهيئة العسكرية المُلقبة “الإدارة المدنية”. وعمليًا، أمست الإدارة المدنية الجسم التنفيذي الخاضع للسلك المدني – السياسي، ونُقلت إدارة المجالات المدنية، عمل الأركان المكتبي، واتخاذ القرارات فيه من الجيش إلى مُديرة الاستيطان والوزير الثاني. وبالتالي يتولى الوزير الثاني في وزارة الأمن صلاحية أن يأمر الجهات العسكرية مُباشرة، في إلتفاف على وزير الأمن وسلسلة القيادة العسكرية.

أحدثت إتفاقية توزيع وتقاسم الصلاحية وتعيين الوزير الثاني في وزارة الأمن تغييرًا هيكليًا عميقًا في طريقة سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية، وتُتيح الالتفاف على القيود التي يفرضها القانون الإنساني الدولي على إدارة منطقة مُحتلة، وعلى رأسها المادة 43 من أحكام لاهاي. وبواسطة تحويل صلاحيات من منظومة الحُكم العسكري إلى جهات مدنية – سياسية، نُقل مركز الثقل في إدارة الأراضي المُحتلة من رئيس الإدارة المدنية إلى هيئات خاضعة لسطوة سموطريتش. إنه ضمّ فعلي بحُكم الأمر الواقع: ليس محض إعلان عن إحلال السيادة، بل تمدين تدريجي لآليات الحُكم بالضفة الغربية، وإخضاعها مُباشرة للحكومة ودمج المستوطنات في الأنظمة المدنية الإسرائيلية.

وقد عرض سموطريتش نفسه هدفه من هذا التغيير بوضوح. وشرح أثناء نقاش للجنة الخارجية والأمن في تموز/ يوليو 2023، أن الجيش أنشئ ليهتم بشؤون الأمن، وأن “النظام العسكري لا يعرف حقًا كيف يُدير نظامًا مدنيًا”. والهدف من نقل الصلاحيات بحسبه، هو تحسين الشوارع، التربية والتعليم، العيادات للمستوطنين، وعبورهم في الحواجز بين الضفة واسرائيل، كما تحسين جودة حياتهم. كما أوضح أن سياسة التخطيط والإنفاذ في الضفة الغربية جاءت لتخدم “المصالح القومية السياسية والأمنية للاسرائيليين في هذا الحيّز”.